أمان

ثقافة العيب في العمل: كيف تهدر القدرات والإمكانات؟

تؤثر ثقافة العيب في المجتمعات العربية على اختيار عدد كبير من الأفراد لمهنهم ومستقبلهم المهني، ولثقافة العيب في العمل أبعاد ونتائج سلبية على المجتمع والأفراد. من خلال نشرتي لهذا الأسبوع، سنطرح الأسباب والآثار لهذه الثقافة، ونقدّم بعض الحلول والنصائح لتجنبها.

 

ما هي ثقافة العيب؟

ثقافة العيب هي مجموعة من المعتقدات والقيم الاجتماعية التي تحكم نظرة المجتمع إلى بعض المهن، فتصنفها إلى مهن “ذات شأن” وأخرى “أقل شأنًا”؛ وبذلك يُقيَّم الأفراد بناءً على مهنهم حسب تصنيف المجتمع، وليس وفقًا للقيمة الحقيقية وأهمية المهنة، مما يسبب الخجل والإحراج لبعض الأفراد إذا فكروا في امتهان إحدى المهن المصنفة – وفقًا لوجهة نظر المجتمع – بأنها ذات شأن قليل، رغم أن كل المهن مهمة، وتُحترم لحاجتنا إليها ولدورها في سير المجتمع ونمو الاقتصاد.

 

أسباب انتشار ثقافة العيب في العمل

1. التأثير التاريخي

تعود جذور تصنيف المهن في المجتمع إلى القدم، ففي حقبة ماضية، قُسمت المهن حسب الطبقات الاجتماعية، حيث كانت لكل طبقة مهنها المحددة التي تقتصر عليها فقط. المهن المرموقة كانت حكرًا على الطبقة العليا، والمهن الشاقة وذات الأجور المنخفضة للطبقات الفقيرة.

وفد ترسخ ذلك عبر العصور في أفكار ومعتقدات المجتمعات؛ بعضها تخلص من هذه المعتقدات، والبعض الآخر لا يزال مترسخًا فيه.

 

2. النظرة المجتمعية السلبية

تنظر بعض المجتمعات إلى مهن معينة نظرة سلبية، باعتبارها لا تُدر دخلًا جيدًا، أو أنها تُهين من يمتهنها.

أذكر يومًا رأيت عامل نظافة محترمًا يؤدي عمله، فسألته والدتي: “هل لديك أولاد؟” فأجاب: “نعم، لكنني حزين على ابنتي لأنها في سن الزواج، فمن سيتزوج فتاة والدها عامل نظافة؟”.

هنا يجب أن نتساءل: من أوصل هذا الرجل المحترم إلى هذه الفكرة؟ إنه المجتمع!

هل تعلم أن عامل النظافة في أمريكا يتقاضى 30 دولارًا على الأقل في الساعة، لأنها تُعد من المهن التي تتعرض لمخاطر كالانبعاثات؟ بينما في الشرق الأوسط، هي من المهن التي يتقاضى العاملون فيها أجرًا لا يكفي لحياة كريمة.

 

3. دور الإعلام

لوسائل الإعلام دور كبير في ترسيخ المعتقدات أو تغييرها، فنشهد في الدراما العربية مثلًا أن أصحاب بعض المهن يُصوَّرون على أنهم لا يستطيعون العيش مع عائلاتهم بكرامة، وعليهم ديون كبيرة، وأطفالهم مرضى لا يستطيعون شراء الدواء.

هذه الصور ترسخ الفكرة المجتمعية السلبية، ولا تساعد على تغيير ثقافة العيب أو إظهار الجانب الآخر لتلك المهن.

 

4. النظام التعليمي

النظام التعليمي في كثير من الدول العربية يعتمد على الشهادات الجامعية ويرفع من شأن الحاصلين عليها، ويشجع “دون تخطيط” على الشهادات العليا. وبعض الدول تجعل خطتها التعليمية قائمة على “السياحة التعليمية” (جذب الطلاب الوافدين)، فترفض فكرة التشجيع على المهن المهنية.

وهذا بدوره كدّس أعداد العاطلين عن العمل من حملة الشهادات العليا، وأهمل الشهادات المهنية والتقنية التي كان يمكن استثمار طاقات الأفراد في دراستها والعمل بها بشكل منظم.

لم تعمل هذه الدول على تنظيم وتنويع التعليم الأكاديمي والمهني، مع إهمال مهارات مهمة لا يستطيع حملة الشهادات العليا النجاح دون امتلاكها. إنها المهارات الحياتية التي تؤهلهم لسوق العمل، وتسد الفجوة بين المطلوب ومخرجات التعليم.

كما يقع على عاتق هذه الدول التوعية والتشجيع على التدريبات المهنية، وربطها بميزات كالتدريب بعد إنهاء الشهادة في إحدى الدول الأوروبية من خلال النقابات العمالية، واكتساب الخبرة الأوروبية أو خبرة أي دولة متقدمة. وبذلك يطلّع الخريج على أحدث التقنيات في مهنته، كما ينبغي إيجاد وظائف لأصحاب الشهادات المهنية والتقنية، وتأسيس مؤسسات خدمية ليكون العمل منظمًا وبشكل لائق.

 

5. واقع أصحاب المهن الحرفية

أصحاب المهن الحرفية أنفسهم يسهمون أحيانًا في ترسيخ ثقافة العيب، فللأسف قلما نجد صاحب حرفة بلباس حرفي لائق ولوازم وقاية من الإصابات، مما يعكس صورة غير لائقة عن الحرفة؛ مع أن مدخول أصحاب الحرف جيد جدًا، فلا يوجد ما يمنع من الظهور بمظهر حرفي لائق يعكس قيمة مهنتهم.

 

آثار ثقافة العيب على المجتمع والاقتصاد

  • ارتفاع معدلات البطالة: بسبب العزوف عن المهن الحرفية والتعنت على الشهادات الجامعية، وانتظار فرص عمل تتناسب مع الشهادة مع شح الوظائف ووصول بعض التخصصات إلى حد الإشباع.
  • نقص الكفاءات في الحرف والمهن: مما يضطر الدول إلى اللجوء للعمالة الوافدة لسد هذا النقص.
  • تدهور الحرف والصناعات التقليدية: التي تُعد جزءًا مهمًا من التراث الثقافي والهوية الوطنية.
  • زيادة الفجوة الطبقية في المجتمع: حيث يصبح التمايز قائمًا على نوع المهنة لا على قيمة الفرد وإنتاجه.
  • هجرة الحرفيين والكفاءات المهنية: إلى خارج البلاد بحثًا عن تقدير أفضل، مما يؤدي إلى نقص الكفاءات المطلوبة في مجالات حيوية.

 

كيف يمكن التخلص من ثقافة العيب؟

هل من الممكن التخلص من ثقافة العيب؟ الجواب: نعم، لكننا بحاجة إلى جهود مكثفة على عدة مستويات، ومن أهم المقترحات:

  • تغيير النظرة الاجتماعية: عبر حملات توعية واسعة لتقدير جميع المهن، وإبراز دور كل مهنة في بناء المجتمع وتقدمه.
  • تسليط الضوء على قصص نجاح: الإعلام مطالب بإبراز نماذج ناجحة لأشخاص يعملون في مختلف المهن، وكيف استطاعوا تحقيق حياة كريمة وإنجازات متميزة.
  • دعم التعليم المهني والتقني: من خلال تطوير مناهجه، وتوفير فرص عمل لائقة لخريجيه، وربطه باحتياجات السوق المحلي والعالمي.
  • تطوير الحرف والصناعات التقليدية: وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية ناجحة قادرة على المنافسة، مع توفير بيئة عمل آمنة ومحفزة.
  • تحسين صورة المهن الحرفية: من خلال توفير الزي الموحد المناسب ومعدات السلامة، وإبراز الجانب المهني المتطور لهذه المهن.

 

الخلاصة

ثقافة العيب هي عقبة كبيرة أمام التنمية والتقدم، فهي تمنع الأفراد من استغلال قدراتهم وإمكاناتهم بشكل كامل، وتحرم المجتمع من طاقات هائلة كان يمكن أن تسهم في بنائه.

يجب علينا جميعًا – أفرادًا ومؤسسات وحكومات – العمل على تغيير هذه الثقافة، ونشر الوعي بأهمية جميع المهن، وبناء مجتمع متماسك يقدر كل فرد مهما كانت وظيفته؛ فالكرامة في العمل والإتقان، وليس في نوع المهنة.