النجاح لا يعني أن تكون صلبًا، وإنما مرنًا لتكون قادرًا على الانسجام مع أي بيئة توضع فيها.
أحمد أبو غيث
مؤسس @ شركة Black Orange Live وصانع الفعاليات الكبرى في الخليج
بدأ رحلته من ورشات وادي السير في عُمر 13 عامًا، ومن محل “بوظة” صغير إلى شركات سعودية وإماراتية، حتى أسس شركته الخاصة التي أصبحت ضمن أكبر خمس شركات لتنفيذ الفعاليات بالمملكة والخليج. أحمد نموذج لشاب صنع نفسه بالخبرة، وتعلم من أصغر المشاريع، ورأى في كل تحدٍّ فرصة ليصل إلى قمة التأثير.
للوهلة الأولى من استماعك للحلقة الحادية عشر من بودكاست على سيرة شغل مع سالي، قد تظن أنَّ ضيف الحلقة خريج من جامعات أجنبية أو شاب تربى خارج الوطن، لكن الحقيقة كما أكدتها سالي في مقدمتها تثبت العكس تمامًا، حيث تقول: "شاب مِنَّا وفينا.."، ينتمي لهذه الأرض.
ما بين ورشات الصناعة في وادي السير ومصانعها حيث تنبعث روائح الخشب والحديد، تبدأ قصة أحمد أبو غيث، عن عمر لا يتجاوز 13 عامًا. لم يعش طفولة عادية، بل كانت مدرسة حياة لا تقل أهمية عن كل ما يمكن للمرء تعلمه في الجامعات.
فما هي تفاصيل قصة ضيفنا أحمد؟ وكيف نجح في شق طريقه نحو الريادة والنجاح؟ تابع القراءة لتعرف التفاصيل.
من هو أحمد أبو غيث؟
كان أحمد أبو غيث يعيش في مدينة عمان بمنطقة ضاحية الرشيد، وقضى أغلب أيام طفولته في منطقة بيادر وادي السير "في قلب المنطقة الصناعية"، كما يروي بنفسه. وبينما كان الأطفال من عمره يلعبون في الشوارع، كان أحمد يفضل اللعب في ورشات العمل والمعامل، ويساعد آباء أصدقائه في المنجرة، والمحددة، وغيرها، لتكون هذه الورشات مختبره الأول، ويتعلم أعمال الدهان والنجارة والحدادة، ويبدأ من هنا رحلته نحو امتلاك مهارات مميزة تصنع طريقه في المستقبل.
من الطائرات الورقية إلى ثقافة التحدي
يذكر أحمد تفاصيل طفولته التي كانت سببًا في زرع حب المنافسة والتفوق في نفسه، وذلك من خلال صنع الطائرات الورقية مع رفاقه والتنافس على صنع الأكبر والأجمل منها، لتتحول هذه اللعبة إلى تحدٍ ساعده في اكتشاف ذاته وبناء مهاراته، ولتكون حجر الأساس لعقليته الريادية.
المرونة: السر الذي لا يتحدث عنه أحد
يتحدث أحمد عن نصيحة نصحه إياها أحد رفاقه الأكبر منه عمرًا، ألا وهي "التحلي بالمرونة وسرعة التكيُّف مع الظروف"، يقول: "تأقلم بالمكان الي إنت فيه.. إذا تأقلمت بتنجح"؛ حيث يرى إنَّ مرونته في التعامل مع من حوله كانت سببًا في كسب وُدهم وثقتهم به أكثر.
نجح أحمد في تنمية هذه المهارة من خلال تنقله في العمل بين الورشات المختلفة وتعامله مع أصحاب المهن المتنوعة، ليدرك أن النجاح لا يعني أن تكون صلبًا، وإنما مرنًا لتكون قادرًا على الانسجام مع أي بيئة توضع فيها.
الخطوة الأولى في ريادة الأعمال: محل لبيع البوظة
بدأ أحمد رحلته في عالم الريادة عام 2003، حين قرر والده فتح محل لبيع البوظة، بينما كان في الصف التاسع في المدرسة. كان أحمد يحب عمله في هذا المكان، ولم يكن واجبًا بالنسبة له، وإنما متعة وتحدٍ يفتخر به أمام أصدقائه.
من خلال عمله في هذا المكان اكتسب أحمد مهاراته الاجتماعية، ليعرف كيف يتعامل مع الجيران، ويحتك أكثر بالناس، لتنصقل عنده مهارات التواصل، والبيع، والتفاوض تلقائيًا من خلال التجربة والتطبيق.
من بائع "بوظة" إلى طالب "تصميم"
بدأ أحمد يتعرف على أصدقاء جدد، وكان لهم تأثير إيجابي عليه، حيث كانوا يدرسون في الجامعة تخصص التصميم، ما حفزه للتسجيل في التخصص معهم. أما والده المهندس المدني فقد كان يصطحبه أيضًا في المشاريع التي يُشرف عليها، ليكتشف بعد دخوله الجامعة أنه يعرف قراءة المخططات المعمارية أفضل من بعض الخريجين.
من الجامعة إلى سوق العمل السعودي
يكشف أحمد عن أثر عمله منذ صغره، ليؤكد أنه كان لها أثر مهم في تحفيزه على الاستمرار والتميز، حيث لا يقتصر الأمر على المكافأة المادية فحسب، بل المعنوية التي جعلت الكثير من الأشخاص في المنطقة يعرفونه بالاسم. أما عن حبه للعمل نفسه، فهو يؤمن كما يقول: "لازم تشتغل أكثر من غيرك، إذا بدك تنجز أحسن من غيرك". كما ويكشف أحمد أبو غيث عن منعطف صعب في مسيرته التعليمية، حيث اضطر لتأجيل فصل في الجامعة لأسباب مادية، ما اضطره للعمل حتى يوفر القسط الجامعي. لم يستسلم أحمد للظروف، وعمل لأوقات أكثر حتى يستطيع الالتحاق بالفصل الدراسي التالي.
بعد تخرجه من الجامعة، رشحه رئيس القسم مع ستة أشخاص آخرين لوظيفة في شركة سعودية، وقد التقى عام 2012 بمديره اللبناني الذي كان له فضل كبير عليه. أما المفاجأة كانت عند اختياره مع صديقه من بين جميع المرشحين الآخرين، ليكتشف مع الوقت أن سر تميزه كان في قدرته على إعطاء العميل ما يحتاجه ويريده بالضبط.
الانتقال إلى الإمارات: تحدٍ جديد وطموح أكبر
أما نقطة التحول الكبرى في مسيرته المهنية، فكانت عند حصوله على فرصة عمل بالإمارات، حيث كانت أفضل بكثير رغم تحدياتها الأكبر والأصعب. عمل أحمد حينها في شركة متخصصة في تنظيم الفعاليات العملاقة، وقد كان سر نجاحه قدرته على التأقلم مع البيئة الجديدة، وذلك عملًا بنصيحة سديدة أسداها له أحد أصدقائه، كما ذكرنا سابقًا.
بعد انتقال أحمد إلى الإمارات، واجه تحديين مهمين، الأول مشكلة اللغة الإنجليزية، حيث لم يكن يتقن الإنجليزية جيدًا في الأردن، فكانت اللغة تحديًا في وظيفته الجديدة في الإمارات، عدا عن إتقان "اللهجات المختلفة" نفسها. أما التحدي الثاني الذي واجهه فكان عمله مع شخصيات من جنسيات مختلفة إنجليز، وفرنسيين، وسويديين، كانوا يعرفون المنتج أكثر منه، ورواتبهم أقل رغم أنهم أكثر خبرة.
في هذه المرحلة شعر أحمد بأنه بحاجة لإثبات نفسه، ومواجهة هاتيْن المشكلتين حتى يستطيع إثبات جدارته وأحقيته بالوظيفة التي حصل عليها، ليقرر في نفسه أنَّه لن يفشل، وسيبذل كل جهده للتأقلم، وأنه سيعمل أكثر من الجميع ليتفوق عليهم. من هنا بدأت رحلة كفاحه ليثبت نفسه في بيئة منافسة وصعبة، واستغرقه الأمر عامًا كاملًا حتى يستطيع أن يفهم المنتج والسوق الإماراتي عمومًا، وقد نجح بذلك فعلًا.
المشروع الصغير الذي أنقذ الشركة
يصل أحمد إلى ذروة القصة مع مشروع بدأ بـ "اثنين وثمانين ألف دولار" من علامة هولندية معروفة في العالم العربي. كان الجميع يتهرب من هذا المشروع "البسيط"، لكن أحمد رأى فيه فرصة ذهبية. بدأ برحلة بحث عن مواقع الفعاليات، ليتحول إلى الخبير الذي يلجأ إليه الناس لسؤاله عن أفضل المواقع للفعاليات.
أما نتيجة جهوده فكانت مذهلة، حيث إن المشروع الذي بدأ بميزانية لا تزيد عن 82 ألف دولار، توسع لتصل ميزانيته إلى 700 ألف دولار، وكان هذا المشروع المنقذ الأكبر للشركة عندما خسرت عملاء من علامات تجارية مرموقة وكبيرة. وعندما حاولت الإدارة وضع مدراء أعلى من أحمد على المشروع، رفض العميل بشدة: "شيل هاد وخلي أحمد.. لأن أحمد هو الي عنده الجواب".
هذا النجاح فتح أمام أحمد باب السوق السعودي على مصراعيْه.
الإنجاز الاستراتيجي وتصدُّر القمة
قررت الشركة نقل الكثير من أعمالها للسعودية تحت قيادة أحمد، لتشارك في إدارة فعاليات و أحداث على مستوى جميع مدن المملكة العربية السعودية، ليصبح متخصصًا في إدارة فرق العمل الكبيرة التي تصل للمئات أحيانًا. بعد مسيرة حافلة من النجاحات، وصل أحمد أبو غيث إلى نقطة التحول المصيرية، ليقرر تقديم استقالته، حيث شعر بأنه قدم كل ما لديه، ولا يوجد المزيد ليقدمه، ليصف هذه المرحلة بـ "الاستقالة الصامتة"، حيث كان يؤدي عمله بكفاءة لكنه كان عالقًا في "منطقة الراحة".
تحدٍ جديد: الانطلاق من الشركات العملاقة إلى المشاريع الناشئة
اختار أحمد الانتقال إلى شركة ناشئة دولية تخطط للتوسع في السعودية، رغم حصوله على ثلاثة عروض عمل من شركات كبرى براتب أكبر، إلا أنه قرر اختيار العرض الأكثر تحديًا له، والذي يدرك في قرارة نفسه أنه سيكون أكثر قدرة على ترك الأثر فيه. وبالفعل نجح أحمد في مضاعفة دخل الشركة خلال ستة أشهر فقط، ليستطيع هو وفريقه ربح مشروع ضخم لمدة سنتين، وصلت قيمته إلى "مئات الملايين".
التحول الأخير: من موظف إلى مؤسس
تدفقت الكثير من عروض المستثمرين عليه، ليدرك أحمد حينها أنه قادر على خلق الفرصة التي يريدها لنفسه، ويقرر تأسيس شركته الخاصة "Black Orange Live"، وذلك عام 2022، لتنجح الشركة خلال وقت قياسي في تصدر قائمة أكبر خمس شركات لتنفيذ الفعاليات بالمملكة العربية السعودية والخليج.
كما ويكشف أحمد عن واحدة من أغرب مفارقات عالم الأعمال: "أصغر المشاريع قد تكون مدرسة كاملة، بينما أكبرها قد لا يعلمك شيئًا". ويضرب مثالًا حيًّا من تجربته بمشروع بدا بسيطًا، لكنه فتح له آفاقًا غير متوقعة، ليكتشف حلولًا لم يعرفها طيلة حياته.
أما عن مفهومه للأمان الحقيقي عندما سألته سالي عنه، فكانت إجابته بأن الأمان ينبع من ثقة الشخص بنفسه وبقدرته على النجاح.
خاتمة ملهمة: نجاح يتجاوز الأرقام إلى صناعة القادة
تنهي سالي حوارها المُلهم مع أحمد، الرجل الذي الذي أدرك أنَّ القيادة الحقيقية تبدأ من القادة الذين تٌخرجهم للعالم. وقد أثبت لنا أن العظمة لا تكمن في الحجم بقدر "الأثر"، ليكبر هذا الطفل بين أزقة ورشات وادي السير، ويؤسس إحدى أكبر شركات الفعاليات في الخليج.
القائد الذي تبعه فريقه ليس طمعًا في الراتب، إنما إيمانًا برسالته واقتناعًا بأنهم قادرون على ترك الأثر عند العمل تحت قيادته؛ لتظل رحلته شاهدًا على أن الحياة مدرسة مفتوحة، وأن التلميذ الحقيقي هو من يظل يشعر بأنه في بداية الطريق، حتى وهو في قمة المجد.
الأمان الوظيفي الحقيقي ينبع من ثقة الشخص بنفسه وبقدرته على النجاح.
أصغر المشاريع قد تكون مدرسة كاملة، بينما أكبرها قد لا يعلمك شيئًا.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.