أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / من أعماق التراب يبزغ الذهب.. كيف تحوّلت التحديات إلى إمبراطورية؟

الحلقة 5: من أعماق التراب يبزغ الذهب.. كيف تحوّلت التحديات إلى إمبراطورية؟

علاء جرار

رائد أعمال أردني ومؤسس @ جو أكاديمي للتعليم الإلكتروني

بدأ رحلته من هندسة الاتصالات والعمل لسنوات طويلة في كبرى شركات الاتصالات الإقليمية، قبل أن يغامر بكل ما يملك، ويرهن بيته إيمانًا بفكرة "جو أكاديمي"، ليحوّل التحديات التي عاشها في التعليم إلى منصة أحدثت أثرًا حقيقيًا في حياة آلاف الطلبة.

نغتر أحيانًا بالوهج السريع والنجومية الفارغة، ولكن تصدف أن تعرف قصة إنسان أشبه بالمنارة التي تضيء طريق الأصالة والأثر الطيب، ليثبت لنا أنَّ الصعود للقمة رحلةٌ تشبه في دقتها ومعناها رحلة الذهب الخام، التي تبدأ من الأعماق وسط الصخر والتراب والشوائب، لتبلغ في نهايتها بريقًا لا ينطفئ وقيمة لا تُقدَّر بثمن!

هذا الوصف الأبسط لرحلة "علاء جرار"، الريادي الذي تقدمه سالي في حلقتها الخامسة لبودكاست "على سيرة شغل". إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والصادق الأمين مهنيًا وشخصيًا، والريادي اللامع الذي رأى في مجال "الاتصالات" نافذة للمستقبل قبل أن يدركها الكثيرون.

فمن هو علاء جرار؟ وما هي تفاصيل رحلته الريادية؟ وما هي نصائحه للجيل الشاب؟ هذا ما سنعرفه في هذا المقال.  

من هو علاء جرار؟ من اليرموك إلى عالم الاتصالات

علاء جرار أب لأربعة أطفال، بدأ مسيرته الريادية ببداية متواضعة مبنية على أسس راسخة من الشغف والتخطيط. بعد تخرجه من الثانوية العامة "التوجيهي" كان عليه اتخاذ قراره بالتخصص الجامعي الذي يحدد توجهه المهني، لينصحه والده بدراسة تخصص "هندسة الاتصالات"، بناءً على نصيحة صديق مقرب.

لم يكن الأمر مجرد خيار عابر، بل كان قرارًا واعيًا؛ ففي نظام القبول الموحد، جعل علاء جميع خياراته تدور حول هذا التخصص، مؤمنًا بالرؤية التي قُدمت له. وقد حصل على قبول في جامعة اليرموك، ليبدأ مسيرته الجامعية عام 1992، لتكون البوابة التي انطلق منها نحو عالمه المهني.

لم تكن تلك البداية مجرد حظ، بل كانت "توفيقًا من رب العالمين" كما يُعقِّب علاء، لتبدأ بعدها رحلة عملية امتدت لتسعة عشر عامًا، شكَّلت فيها خبرته في صلب صناعة الاتصالات. بدأ العمل في شركة "زين" الأردنية "فاست لينك وقتها"، ثم انتقل إلى العمل مع الشركة السعودية للاتصالات، ليقطع شوطًا مهنيًا مهمًا من جهة "المشغلين".

وفي منعطف حاسم عام 2007، انتقل إلى الجهة الأخرى من المعادلة، جهة "الموردين"، حيث انضم إلى شركة "إريكسون" العملاقة ليظل فيها حتى عام 2015، مكتسبًا رؤية شاملة لا مثيل لها.  

معركة التحدي والاجتهاد: البذرة الأولى للإلهام

المعركة الأولى التي نجح علاء في تخطيها كانت مع مادة "الكالكولس" (Calculus) في الجامعة. فقد واجه صعوبة في فهم المادة، خاصة لدراستها باللغة الإنجليزية، ولكنه لم يستسلم، وكانت الشرارة التي أشعلت فيه عزيمة لا تلين، فقد عكف على دراسة المادة يوميًا لما يقارب الأربع ساعات حتى يفهمها وحده، يقول: "الموضوع مش سهل... لكن إذا المادة مش فاهمها وصعبة علي، لما أدرسها فرصي بتتحسن إني أجيب معدل أفضل. أما إذا استسلمت وقلت المادة ما بفهمها وصعبة، ما رح أدرس.. وما رح يكون في إنجاز."

ساعدته هذه الطريقة في تخطي المادة، والحصول على علامة جيدة، لتكون تجربته هذه درسًا مهمًا في حياته، حيث يقول: "الفرق بين النجاح والفشل مش في صعوبة المادة، بل في مقدار الجهد والاجتهاد."

وانتقل هذا الدرس نفسه إلى تحدٍ آخر واجهه عند التخرج: اللغة الإنجليزية، حيث إنَّ مستوى إتقانه للغة آنذاك لم يكن جيدًا، خاصة في "المحادثة"، وكانت التحدي الأصعب ونقطة التحول الكبرى عندما انتقل للعمل في السعودية، ليجد نفسه في شركة تضم 74 جنسية مختلفة، ولغة التواصل الوحيدة فيها "الإنجليزية"! لم يكن أمامه خيار سوى إتقان اللغة، وأجبر نفسه على خوض الحوارات، حتى نجح في تخطي هذا الحاجز أيضًا.

كان سر تقدم علاء جرار واحدًا لا يتغير، ألا وهو مواجهة التحدي باجتهاد عنيد، وتحويل كل عقبة إلى سُلم يصعد منه إلى مستوى جديد، ونجح في تحويل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة، وصقل مهاراته بالتدريب والممارسة.  

الشرارة الأولى: عندما تخلق التحديات قيمة النجاح

تولد الأفكار من قلب التحديات والصعوبات، لتكون أحيانًا بمثابة حلول للآخرين، وهذا ما حدث مع علاء عندما خرج بفكرة "جو أكاديمي"، لتكون نتيجة تجربته الشخصية في المدارس الحكومية.

يسترسل علاء في سرد ذكرياته التعليمية، ليبرز صورًا مؤثرة للمعلمين في المدارس الحكومية الذين كانوا يبذلون مجهودًا مضاعفًا لطلابهم في الثانوية العامة، انطلاقًا من إيمانهم بأنَّ نجاح الطالب هو نجاح للمعلم نفسه. وقد شَكَّلت هذه العلاقة التكافلية بين المعلم والطالب النواة الأولى لفكرة "جو أكاديمي"، لكن الأهم من ذلك كان الافتقاد إلى العدالة في توزيع الفرص التعليمية، فبينما كان بعض الطلاب يحصلون على تعليم متميز، كان الكثيرون يُحرَمون منه بسبب ظروفهم الجغرافية والاقتصادية.

يُكمل في سرد القصة، ليركز على واحدة من أهم الفروق الجوهرية بين الأجيال، ألا وهي: "قيمة المعرفة في عصر الندرة مقابل الوفرة"، فكانت الأجيال السابقة تضطر لبذل مجهودات مضاعفة للحصول على "معلومة واحدة" مهما كانت بسيطة، حين كان الوصول إلى المعلومة يستحق الرحلة - رحلة "أربع مواصلات" إلى مكتبة البلد، والوقوف تحت أشعة الشمس لنصف ساعة انتظارًا للحافلة.

يقول: "هذه الصعوبات خلقت مِنّا أشخاص... أي تحدي منقدر إنا نواجهه". لم تكن هذه المعاناة عقبة؛ بل درسًا للصبر والمثابرة، وتعلم علاء ومن مثله من الجيل نفسه أنَّ قيمة الأشياء تُدرَك عند بذل الجهد في الحصول عليها، وهي الحكمة التي قادته إلى فكرة "جو أكاديمي".  

الشرارة التركية - العَطَّار الكيني الذي غَيَّر كل شيء

حضر علاء مؤتمرًا للأعمال في تركيا حول موضوع "ثورة الاتصالات وتأثيرها على نماذج الأعمال" في عام 2013، ليأتي ذكر القصة التي غيرت اتجاه حياته المهنية. فقد ذُكر في إحدى حوارات المؤتمر حديثًا عن عطار كيني في قرية نائية، كان يبيع منتجاته في قريته الصغيرة، وقد استطاع باستخدام الإنترنت توسيع نطاق عمله إلى ما يقارب 20 دولة، ويُوظِّف 40 شخصًا خلال عاميْن فقط!

يقول: "هنا خطرت لي الفكرة.. ليش ما أطَّلع على الموضوع من زاوية مختلفة؟" كانت قصة العطَّار الكيني تجسيدًا حيًا لإمكانيات التحوُّل الرقمي، وأدرك علاء أن الأدوات التي مكنت هذا التاجر البسيط يمكنها أن تُحدث ثورة في مجال التعليم أيضًا.

بدأ بدراسة الخيارات المتاحة، واستقر قراره أن يبدأ مشروعًا في مجال التعليم الإلكتروني، لحاجة السوق أولًا، وللأثر الأكبر الذي سيتركه هذا المشروع. وقرر أن يُكرِّس خبرته في الاتصالات لخدمة التعليم، وكان طلاب الثانوية العامة "التوجيهي" الهدف الأول، ليمثل مشروعه نقطة تحول حقيقية في حياة كل طالب.  

رحلة التأسيس: من الانطلاق إلى أزمة جائحة كورونا

قرر علاء تأسيس منصة جو أكاديمي في نهاية عام 2013م، لتكون "جو أكاديمي" أداة لتحويل التحديات التعليمية إلى فرص حقيقة، وليست مجرد منصة تعليمية، ليتمكن كل طالب مهما كانت خلفيته من الحصول على تعليم جيد يستحقه.

من الحماس إلى الصدمة: صمت السوق

بعد ستة أشهر من العمل الدؤوب، وتطوير البرمجية من الصفر، واستثمار مبالغ طائلة، كانت اللحظة الحاسمة: الانطلاق إلى السوق. يصف علاء تلك اللحظة بتأثر: "طلعنا على التلفزيون الأردني… مش راضي يرن التلفون يا سالي.." كانت الصفعة قاسية، فالأرقام التي حققتها المنصة كانت بسيطة، والمعلمون مترددون من قبول الفكرة، والجمهور متحفظ عليها.

اختار علاء مواجهة الواقع، وحاول البحث عن حلول مناسبة. قرر النزول إلى الميدان مرة أخرى، ولكن بمنتج ملموس، وكان التحدي الأصعب إقناع الأهالي والطلاب بجدوى الفكرة في مجتمع اعتاد الطرق التقليدية للتعليم.

بصيص الأمل: عندما يتحول الفشل إلى نقطة انطلاق

رغم كل التحديات، بدأت بعض بوادر النجاح تظهر، فالأعداد بدأت تزداد شهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة، وقد أثبتت الفكرة نجاحها على نطاق صغير. الآن كان التحدي هو التحول من النجاح النسبي إلى التوسع المستدام.

وهنا يكشف علاء عن أحد أهم الدروس التي تعلمها خلال رحلته، ألا وهي أن المنتجات التي نجحت وحققت صدى باهرًا هي المنتجات التي لم يكن متوقعًا لها النجاح، وقد استغرقهم ذلك خمس سنوات من التجربة والتحسين.

قوة الفريق: عندما يكون الشريك مُكملًا لا منافسًا

يكشف علاء عن نقطة التحول الحقيقية: دخول شريك جديد يتمتع بفهم أعمق للجمهور. قال له: "لازم تجرب الناس... حط رجليك على الأرض". ليركز علاء هنا على درس قيِّم تعلمه من هذه التجربة، ألا وهي الاستفادة من تجارب الناس حولنا، حتى وإن كانت أصغر سنًا، وقد تقبل النقد ووجهات النظر المختلفة. ليكون هذا التقبل نقطة الأساس للتكيف مع احتياجات السوق الحقيقية، وتحقيق قفزة جديدة.

الاختبار الأعظم: عندما يُرهن البيت من أجل الحلم

أما اللحظة الفاصلة التي اختُبر فيها علاء بمدى إيمانه بحلمه، فهو الوقت الذي اضطر لرهن بيته وسيارته، وإيمانه الراسخ بجدوى فكرته كانت حافزًا له للاستمرار والمجازفة.

الأرقام كانت تُشير إلى النجاح، ولكن التحدي كان في الوصول إلى نقطة التعادل، التي لا يضطر فيها للإنفاق على المشروع من نفقته الخاصة.  

الفرج يأتي من حيث لا نتوقع: مفارقة الجائحة

كانت مرحلة النجاح الأولى في مشروع "جو أكاديمي" بعد خمس سنوات من التأسيس، ففي عام 2018 بدأ المشروع يغطي تكاليف تشغيله للمرة الأولى. لكن المفارقة الكبرى لجو أكاديمي كانت في عام 2020 "جائحة كورونا". انطلاقًا من المسؤولية الاجتماعية ونُبل الرسالة" شاركت "جو أكاديمي" في مبادرة "درسك"، وهي منصة أردنية أنشئت آنذاك لتقديم التعليم المجاني لطلاب المملكة، وقدمت المنصة أكثر من 5000 فيديو تعليمي خلال 3 أشهر فقط.

لم يحصل علاء حينها على أي دعم مادي، ولكن مبادرتهم لتأدية واجبهم الوطني والأخلاقي تجاه الطلاب كانت علامة فارقة في التسويق للمنصة نفسها، دون الحاجة لدفع أموال طائلة للتسويق لها. وكذلك أيضًا فقد أصبح المجتمع الأردني أكثر تقبلًا واستعدادًا لفكرة التعليم الإلكتروني بعد الجائحة.

تسأله سالي: "هل العمل الخاص سعادة؟" يجيب علاء بصراحة تامة: "هناك نشوة... حلم يتحقق أمامك"، لكنه يضيف: "ما في أمان... أنا أمر في مرحلة أصعب مما كنت أعمل فيه في الوظيفة. كنت فاتح بيت، اليوم أنا فاتح 500 بيت!"  

حكمة الختام: ليست وصية.. بل رحلة خاضها

في ختام الحلقة تطرح سالي سؤالًا محوريًا: "ما هي النصيحة الي بتحب تحكيها لأي ريادي أو شاب؟" لكن الإجابة تأتي غير تقليدية، لتحمل في طياتها تواضع الحكمة ووعي التجربة.

يستحضر علاء لحظة مؤثرة شكلت منعطفًا في فكره، حين حاور "صبية ريادية" حصدت جائزة عالمية في مجال الريادة، طلب منها في إحدى المرات أن تلقي محاضرة عن الريادة، ليأتي ردها صادمًا له: "لا تحكي للناس يصيروا رياديين... بتعرف كم ريادي بموت في هاد الطريق؟".

يعترف علاء بأنَّ كلماتها كانت درسًا جديدًا، وأدرك أنه من غير الصائب تشجيع الآلاف من الشباب على خوض عالم الريادة دون معرفتهم لمخاطرها. ليؤكد على أنه لا يقدم النصح للشباب بهذا الأمر، ولا يقدم وعودًا براقة، وإنما "يروي" لهم قصته وتجربته الخاصة.

تثبت لنا رحلة علاء أنَّ ريادة الأعمال ليست طريقًا للثراء؛ بل هي رحلة للبحث عن المعنى والأثر، وأن النجاح الحقيقي يكمن في قدرة الإنسان على تغيير حياة الناس، وترك أثر إيجابي في المجتمع.

مَنْ رَهَن بيته في سبيل تحقيق حلمه، أصبح اليوم يبني بيوتًا للآخرين، فقصة هذا الرجل الطموح ليست مجرد سيرة ذاتية، وإنما هي رسالة أمل لكل من يطارد حلمه ويواجه شكوكًا، وشهادة حية على أن أعظم "التحديات والصعاب" تصنع الإنسان، كما الذهب تمامًا.

تذكر دائمًا: أعظم القلاع تُبنى من أحجار الطريق التي تعثرنا بها.

الفرق بين النجاح والفشل مش في صعوبة المادة، بل في مقدار الجهد والاجتهاد.

هذه الصعوبات خلقت منّا أشخاص… أي تحدّي منقدر إنّا نواجهه

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.