"لا يوجد تجربة فاشلة تمامًا".. حتى التجارب التي تبدو سيئة في ظاهرها، تحمل في طياتها ربحًا معرفيًا وخبرة لا تُقدَّر بثمن.
علاء خلايلة
المدير التنفيذي @ كويل
شاب أردني بدأ مشواره من وظائف بسيطة في مبيعات وتجارب متواضعة، ثم واجه تحديات ومعوقات عدة قبل أن يُعيد تنظيم مساره ويطلق Quill ليُقدّم حلول مبتكرة في مجال التكنولوجيا.
هل سبق أن شعرت أنَّ طريق النجاح مغلق أمامك؟ وأن أحلامك أكبر بكثير من واقعك الصغير؟! ضيف هذه الحلقة شاهد حي على أنَّ المعادلة يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب. "علاء خلايلة".. شاب بدأ من حيث بدأ الكثيرون: إنجليزية متواضعة، وبحث مُضنٍ عن عمل، وخطوات مهنية أولى بعيدة كل البعد عن عالم التقنية الفاخر الذي يقوده اليوم.
ضيف هذه الحلقة المدير التنفيذي لشركة كويل (Quill) المتخصصة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، يروي لنا قصة نجاح استثنائية، تكشف لنا أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وأن أعظم النجاحات تأتي غالبًا من أصعب التجارب. لم تكن قصته قصة نجاح عابرة؛ بل هي شهادة مُلهمة لكل شاب وافد على سوق العمل، ولكل من يحمل حلمًا يخشى أن يكون أكبر من إمكانياته. تابعوا القراءة لتعرفوا تفاصيل قصته الشيقة التي روى تفاصيلها لسالي أبو علي في الحلقة الثانية من بودكاست على سيرة شغل.
البدايات: من مدارس حكومية و أول وظيفة في "KFC"
يبدأ علاء حديثه بتأكيد المقولة الشهيرة التي افتتحت بها سالي الحلقة: "ليس كل ما يلمع ذهبًا". فالكثيرون ينظرون إلى صاحب العمل الناجح اليوم دون أن يعرفوا أن بداياته لم تكن مُذهلة. يقول: "تخرجت من مدارس حكومية. لم نولد لنجد كل الأشياء جاهزة. بالعكس، كانت هناك تحديات وظروف صعبة مررنا فيها." حتى في الثانوية العامة (شهادة التوجيهي)، واجه علاء عقبة الفشل في مادة اللغة الإنجليزية، وهي المفارقة التي يضحك عليها اليوم، وهو يتحدث الإنجليزية بطلاقة.
اضطر لإعادة السنة والنجاح فيها، وقبل دخول الجامعة، بحث عن أي عمل لإعالة نفسه، فاشتغل في مطابخ KFC خلال فترات الأعياد والعطل. يقول: "هذا الشغل البسيط يصقل الشخصية. بتتعرف على أشياء جديدة، تكتسب بعض الخبرات،مع إنها بسيطة لكنها بتضيف لمعلوماتك." هذه التجارب المبكرة هيأت له سوق العمل الحقيقي. بعد التوجيهي، حصل على أول وظيفة رسمية في شركة كاسيو بعمان، ليعمل بائعًا في المعارض. وبفضل اجتهاده، أصبح مشرفًا على المعرض بعد ثلاثة أشهر فقط، ثم مديرًا للفرع. كانت هذه الوظيفة أول مدرسة حقيقية في المبيعات وخدمة العملاء.
الانطلاق نحو ريادة الأعمال والعودة إلى الصفر
بعد فترة من العمل مع كاسيو، جاءته فرصة للدخول في عالم ريادة الأعمال قبل أن يصبح المصطلح رائجًا. انضم إلى أحد أقاربه لبدء مشروع بيع قهوة جاهزة للمكاتب. لكن المشروع لم يستمر سوى بضعة أشهر، واضطر علاء للعودة إلى نقطة الصفر مرة أخرى بعد أن انشغل شريكه بفرصة أخرى. يقول: "رجعت أدور على شغل. من جديد، رجعنا من جديد."
هنا يقدم علاء أول درس مهم للشباب: "لا يوجد تجربة فاشلة تمامًا". حتى التجارب التي تبدو سيئة في ظاهرها، تحمل في طياتها ربحًا معرفيًا وخبرة لا تُقدَّر بثمن. يقول: "إنت لما تصطدم بمواقف معينة، إنت أخذت التجربة بالفعل. في ناس بدفعوا فلوس عشان يحصلوا على المعلومة والتجربة الي عندك."
المدرسة الكبرى: سبع سنوات ونصف في "نوكيا"
عاد علاء للبحث عن عمل، وقدَّم طلب وظيفة للعمل في شركة "نوكيا"، وحصل على وظيفة مبيعات آنذاك، لتكون هذه الخطوة الأهم في مساره المهني، وقد أمضى فيها ما يقارب سبع سنوات ونصف، ليصف العمل في هذه العلامة التجارية بـ "المدرسة"، ويقصد هنا تسليط الضوء على حجم التجارب والخبرات التي اكتسبها في سنوات عمله هذه من خلال سياسات هذه الشركة. يقول: "أعتبر أن نوكيا هي المدرسة الأولى لكل مجال الموبايلات في العالم. الأفكار التي نراها اليوم أصولها كانت في نوكيا."
أما كسر حاجز اللغة الإنجليزية، فقد كان من أكبر التحديات التي واجهها في نوكيا، حيث كان يأتي مدربون من فنلندا وفرنسا ودبي، وكانت لغته محدودة، ولكن بدلًا من وضع هذا الأمر عائقًا أمامه، قرر كسر حاجز الرهبة، وأن يتحدث معهم حتى وإن أخطأ، وأن الهدف الأساسي كان إيصال الفكرة وإن لم تكن اللغة مثالية ومليئة بالأخطاء اللغوية. وهنا يقدم نصيحته لمن يريد تطوير لغته، حيث يقول:" اكسر حاجز الخوف. احكي حتى لو أخطأت، فالاستماع للمحتوى بالإنجليزية مثل البودكاست والأفلام يساعد، ولكن الممارسة والثقة هما الأساس. عقلك سبحان الله تلقائيًا بيرتب الكلمات... لكن ما دام في خجل، ما رح تتطور."
التميز والترقي: "الطالب الشاطر" الذي يُدوِّن الملاحظات
أمَّا أهم ما ميَّز علاء في نوكيا كان شغفه بالتعلم والتفاصيل، فبينما كان بعض الزملاء يستمعون للمدربين بشيء من الاستهتار، كان علاء يحمل ورقة وقلمًا ويُدوِّن كل شيء. وقد كان يؤمن بأهمية التعلم من الخبراء، والذين يقدمون خبراتهم لهم على "طبق من ذهب"، ولذا كان يُسجل كل ما يتعلمه لأنه "كنز"، ولا بُدَّ من استغلاله والاستفادة منه. لم يذهب هذا الاجتهاد سُدى، فعندما أعلنت الشركة عن حاجتها لمشرف جديد، تقدم حوالي 30 شخصًا، ليحصل علاء على الوظيفة، بفضل معرفته العميقة وتفانيه في العمل.
محطة دبي: تجربة صعبة ودرس في "التوفيق وبر الوالدين"
بعد سنوات في نوكيا، وتحديدًا في عام 2014، جاءته فرصة عمل في دبي. كان متزوجًا ولديه أطفال، والمسؤوليات كبيرة. وقع العقد وسافر، لكنه اكتشف أن الوظيفة في الواقع مختلفة تمامًا عمَّا تم الاتفاق عليه. وجد علاء نفسه في شركة لا تلتزم بالوعود، ويشعر بالإحباط والغربة في بلد جديد. لكن مبدأه كان واضحًا، حيث يقول: "كنت أعطي من قلبي، بكل أمانة وإخلاص... لأنه بالنهاية إنت بتاخذ فلوس، وهذه الفلوس محاسب عليها أمام ربنا." كانت أيامه صعبة، حيث كان يُنهي عمله ثم يتجول في مترو دبي لساعات، مستكشفًا المدينة ومفكرًا في مستقبله وعائلته. بعد شهرين من المعاناة، قرر العودة إلى عمان دون وظيفة، ليعود ويبدأ من الصفر من جديد.
درس في الإيجابية والتوفيق
لم تكن هذه التجربة السيئة سهلة على علاء، ولكنَّه استخلص منها درسيْن أساسيَّيْن لحياته:
- بر الوالدين والتوفيق من الله: يؤمن علاء إيمانًا راسخًا أنَّ توفيق الله هو الأساس، وأنَّ بر الوالدين من أعظم أبواب التوفيق.
- لا تعلق فشلك على الظروف: يؤكد هنا أن الكثيرين يشتكون دومًا من "الوضع الاقتصادي السيء"، ويضعون هذا العائق حاجزًا أمامهم، ولكنَّه يرفض أن يكون هذا عذرًا للاستسلام واليأس.
يقول: "إذا بدنا نجلد حالنا ونضل نقول الوضع الاقتصادي سيء، رح نضل سيئين... بدك تصنع الفرصة."
انطلاقة جديدة: من "لينوفو" إلى لقاء مصيري
بعد عودته من دبي، واصل علاء البحث بلا يأس، وبتشجيع كبير من زوجته التي ساندته ودعمته في كل قراراته، وجد فرصة عمل في شركة البخيت، ليعمل مديرًا للمبيعات لعلامة "لينوفو"، وقد حقق فيها نجاحات كبيرة. في هذه الفترة، ظهر شغفه بالابتكار، وألَّف كتابًا عن "QR Codes" وحلولها الابتكارية، ليكون سبّاقًا في هذا المجال.
اللقاء المصيري مع الراحل محمد عطعوط ودرس في القيادة الإنسانية
بينما كان في بنك الإسكان ينتظر دوره، خطرت بباله فكرة استخدام الـ QR Code لإدارة الطوابير. بحث عن الشركة المصممة للنظام (السويدية Qmatic)، وأرسل لهم فكرته. ردوا عليه باهتمام، وطلبوا منه حينها التواصل مع الراحل محمد عطعوط، المدير التنفيذي للوكيل في الأردن. كان اللقاء مع محمد عطعوط نقطة تحول. لم يكن مجرد مدير، بل كان قائدًا ومعلمًا، وكان يراه نموذجًا قياديًا بارعًا. ناقش علاء فكرته مع محمد عطعوط، ليعرض عليه وظيفة "Business Development Manager"، وقد قبل علاء هذا التحدي، ونجح في تحقيق 110% من الهدف في أول ستة أشهر، مما أهله للسفر إلى السويد لحضور مؤتمر الشركاء العالمي وتكريمه. يتذكر علاء موقفًا إنسانيًا لمحمد عطعوط خلال جائحة كورونا والإغلاق، يقول: "محمد من أوائل الناس اللي أخذ تصريح، وراح لبيت كل موظف بدق الباب (بلبس قفازات وكمامة) ويعطيه راتبه نقدًا... الله يرحمه، كان إنسان."
التحول الأكبر: من موظف إلى رائد أعمال وصاحب شركة "كويل"
يُكمل علاء سرد قصته، ليقرر بعد سنوات من الخبرة والاحتكاك بثقافات العمل المختلفة أن يحقق حلمه ويصبح رائد أعمال. عندما أخبر محمد عطعوط بقراره، لم يحاول رده أو ثنيه عن القرار؛ بل شجعه وكان أول عميل له. وأخبره، بأنَّه لو كان سيتركه للعمل في وظيفة أخرى لم يكن سيوافق، ولكنه كان الداعم الأول لقراره.
الفكرة والتحدي: الروبوتات
درس علاء فكرة الدخول في مجال الروبوتات التفاعلية التي تتعامل مع الناس، وبالطبع واجهه الكثيرون بالإحباط، وأن الفكرة لن تنجح في السوق الأردني، لكنَّه أصر على قراره، ودرس فكرة المشروع من جميع جوانبها بموضوعية وحيادية، ووجد مستثمرًا مؤمنًا بالفكرة، ليبدأ رحلة جديدة في عالم ريادة الأعمال. أطلق علاء شركته، والتي أسماها "كويل"، وهي شركة متخصصة في توفير نماذج فريدة من الروبوتات للتأجير، حيث تستأجر الشركات الروبوت لفترات معينة في فعاليات أو معارض. وكان محمد عطعوط أول من استأجر روبوتًا، ليحصل بعدها على عدة عملاء من علامات تجارية كبرى، مثل: زين، وأورانج، وأمنية، وكوكاكولا، وهيلتون، وغيرها.
تحديات ريادة الأعمال: الوجه الآخر للعمل الحر
يُصر علاء على كشف الوجه الحقيقي لريادة الأعمال، الذي لا يخلو من التحديات، حيث يرى إنَّ العمل موظفًا أمر مختلف تمامًا عن أن يكون مديرًا للشركة نفسها. يقول: "الفرق كبير بين إنك تكون موظف وإنك تكون صاحب شركة. الموظف مسؤوليته محدودة وبآخر الشهر بيستلم راتبه. أما صاحب الشغل، فكل المسؤوليات عليه: رواتب، إيجارات، فواتير، زبائن، موردين." كما ويذكر أنه في أحد المرات وقع عقدًا لمشروع كبير يتطلب إحضار كمية كبيرة من المنتجات، ثم ألغى العميل المشروع، وبقيت الروبوتات في المستودع دون بيع لمدة تسعة أشهر، وتسببت هذه المشكلة بضغط مالي كبير للشركة.
فلسفة النجاح: الإيجابية، والأمانة، وبر الوالدين
طوال الرحلة، تظهر فلسفة علاء بوضوح:
- الإيجابية تجلب الإيجابية: هو شعاره الدائم، وقد ركَّز على هذه الفكرة في أكثر من موضع من الحلقة، وأن هذه الفكرة تحديدًا كانت السبب لفتح الأبواب له دومًا وتوليد الحلول، وأن النظرة السوداوية للأمور تغلق الأبواب دائمًا.
- 2. الأمانة في العمل خط أحمر: حتى في أسوأ الظروف وفي الشركة التي لم تنصفه في دبي، لم يقصر في عمله، لأنه مبدأ يؤمن به أمام الله والناس.
- 3. بر الوالدين والتوكل على الله: يرى أن هذا هو أساس التوفيق في الحياة والعمل.
خاتمة: الدروس المستفادة من رحلة علاء خلايلة
رحلة علاء خلايلة من بائع في "KFC" إلى المدير التنفيذي لشركة "كويل" للروبوتات، هي مصدر إلهام لكل شاب وفتاة يبحث عن مكانته في سوق العمل. أمًّا أهم النصائح التي يقدمها للشباب:
- لا تستسلم للظروف: الفشل في مادة، أو فقدان وظيفة، أو تجربة سيئة في الخارج، ليست نهاية المطاف، بل محطات للتعلم.
- كن جريئًا في التعلم: كسر حاجز الخوف من اللغة الإنجليزية كان مفتاحًا له لفرص جديدة.
- اجتهد حيثما كنت: الأمانة والإخلاص في العمل، حتى لو لم يكن مكانك المثالي، ستصنع سمعتك المهنية التي تسعى إليها.
- ابحث عن المرشدين: وجود مرشد (Mentor) في حياتك المهنية يمكن أن يغير مسارك.
- فكر بعقلية ريادي الأعمال حتى لو كنت موظفًا: المسؤولية والتفكير خارج الصندوق هما ما يميزانك.
- أحط نفسك بالإيجابيين: دعم العائلة والأصدقاء كان ركيزة أساسية لنجاح علاء.
بهذه النصائح اُختتمت الحلقة، لتشكر سالي ضيفها علاء خلايلة على سرده لتفاصيل قصته الملهمة.
إذا بدنا نجلد حالنا ونضل نقول الوضع الاقتصادي سيء، رح نضل سيئين... بدك تصنع الفرصة.
اكسر حاجز الخوف... احكي حتى لو أخطأت. المهم توصل الفكرة.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.