الفشل مش موجود… هي محاولات لحد ما نوصل.
فراس أبو سنينة
مؤسس ومدير عام @ مصنع سيجما للقوالب وقطع الغيار الدقيقة
صعد من ورشة عائلية وعلم بلا شهادة إلى صناعة تنافس ألمانيا وإيطاليا. أطلق مشروعه من “لابتوب” واحد، وسافر تركيا والعراق ليُثبت أن الخبرة الحقيقية تُصنع في الميدان وليس في القاعات. فراس نموذج لشاب بنى اسمه بالمثابرة، وكرّم لقب “مهندس” بسنوات التعلم والعمل، لا الورق والختم.
في مجتمع يُقدِّر الشهادات الأكاديمية غالبًا، تأتي بعض القصص لتثبت أنَّ النجاح الحقيقي يتجاوز أحيانًا حدود المؤهلات الرسمية.
من بين هذه القصص الملهمة، تَبرز قصة ألهمت سالي شخصيًا، قصة صاحب إنجاز استثنائي خلفه رحلة كفاح غير تقليدية. ضيف الحلقة التاسعة في بودكاست على سيرة شغل مع سالي كان "فراس أبو سنينة"، المدير العام والمؤسس لمصنع سيجما للقوالب وقطع الغيار الدقيقة.
أما المفارقة الأولى في قصته، لقب المهندس دون شهادة جامعية، كثيرون لا يصدقون الأمر عندما يكتشفونه، خاصة مع الخبرة العميقة التي يتمتع بها، وقدرته المتميزة في مناقشة أدق التفاصيل التقنية؛ ليكون فراس نموذجًا لشاب سعى في تسليح معرفته بخبرته العملية المتراكمة عبر السنين، وليس الشهادات الأكاديمية.
فما هي خبايا قصته؟ وكيف نجح في بناء شركته الأولى وتوسيع نطاقها؟ أكمل المقال لتعرف المزيد عن قصة هذا الشاب الطموح.
البداية المتواضعة: من الصف العاشر إلى الوظيفة الأولى
تعود جذور القصة إلى مرحلة مبكرة، عندما كان فراس في الصف العاشر فقط. بسبب ظروف صحية طارئة تعرَّض لها والده، اضطر الشاب لترك المدرسة والانضمام إلى العمل في شركة العائلة المتخصصة في تشكيل المعادن.
لم يكن الأمر سهلًا، فقد تعامل والده معه بصرامة بالغة، معاملًا إياه "أسوأ من موظف" على حد وصفه. كانت إحدى المهام الموكلة إليه هي تنظيف الورشة بأكملها، وكانت مساحتها حوالي 300 متر. في ذلك الوقت، كان هذا التصرف يسبب له الاستياء، لكنَّه مع الوقت أدرك الحكمة الكامنة من تصرف والده.
الحكمة الخفية: درس في التواضع والتعلُّم
أدرك فراس لاحقًا أنَّ والده كان يريد أن يغرس فيه درسًا أساسيًا: التواضع والقدرة على التعلم من الجميع. لو دخل الورشة وهو "ابن صاحب الشركة" متكبرًا، لما استطاع أن يكتسب الخبرة من العمال والمهنيين المخضرمين الذين قضوا سنوات في بناء مهاراتهم. كان والده يأخذه في زيارة العملاء، ليساعده على فهم كيفية التعامل مع أصحاب الشركات وكسب ثقتهم، مدركًا أنَّ هذه الدروس لا تقل أهمية عن أي منهج دراسي. لقد أراد والده أن يعلمه أنَّ القيمة الحقيقية ليست في المنصب، بل في المعرفة والخبرة التي يمكن اكتسابها من كل شخص، بغض النظر عن موقعه.
الضغوط الاجتماعية و حلم الشهادة
مع تقدمه في العمر واختلاطه بأقرانه الذين استمروا في دراستهم، بدأ يشعر بثقل عدم حيازته على شهادة. قرر التسجيل لامتحان "التوجيهي الصناعي" ليس حبًا في الدراسة، بل ليحصل على لقب "خريج توجيهي" فقط، ليكون لديه ما يرد به عندما يُسأل عن مستواه التعليمي.
ولكن شاء القدر أن تسوء الظروف في شركة العائلة، ووصل الأمر لتصفيتها، وبيع جميع الآلات، ليجد فراس نفسه عاطلًا عن العمل، بلا شهادة، وبلا مستقبل واضح. دخل في دوامة اكتئاب حادة، أمضى فيها أسابيع وهو يشعر بانعدام الرغبة في الحياة، حيث لم يعد يجد معنى أو هدفًا أمامه.
نقطة التحوُّل: دورة البرمجة العصبية اللغوية
بمبادرة من والدته، سجَّل فراس في دورة للبرمجة العصبية اللغوية (NLP) يقدمها الدكتور إبراهيم الفقي. لم يكن متحمسًا في البداية، لكن الأمر تغير جذريًا منذ الدقائق الأولى، وقد نجح الدكتور بأسلوبه المتميز في إيصال المعلومات، و إلهامه بطاقة إيجابية قلبت حياته رأسًا على عقب.
تعلم فراس أنَّ الفشل غير موجود في حياة الإنسان، وإنما هي "محاولات" لحين تحقيق النجاح، واكتسب مهارات في فهم الشخصيات وكيفية التواصل الفعال، وكيفية إقناع الآخرين وبيع الأفكار. كانت هذه الدورة هي الشرارة التي أعادت له حافز الحياة والأمل.
التحول المهني: من صاحب عمل إلى موظف من جديد
بعد أن اكتسب فراس خبرة إدارية من إدارة عمل العائلة، قرر أن يبحث عن وظيفة مناسبة لصقل مهاراته، ويذكر أن هذه الخطوة كانت صعبة نفسيًا على شاب اعتاد أن يكون في موقع مسؤولية. بتوصية من أخيه، انضم إلى شركة متخصصة في التصميم والماكينات المحوسبة، وقد كان هذا المجال حديث العهد في الأردن آنذاك، ليواجه فراس بيئة عمل صارمة مع مدير مباشر قاسٍ في التعامل، وتكون كلماته الجارحة اختبارًا صعبًا دفعته للتفكير في ترك العمل بعد أسبوع واحد فقط.
نصحه أهله وأخوه بالصبر والاستمرار، مؤكدين له أن هذه التجربة ضرورية لتطوير مهاراته. عاد فراس إلى العمل بذهنية المتعلم، مُصممًا على استخلاص كل معرفة ممكنة من هذه التجربة.
الانطلاق بمشروع خاص: من "لابتوب" إلى ورشة حقيقية
بعد عامين من العمل موظفًا في الوظيفة نفسها، قرر فراس أن يحقق حلمه في إطلاق مشروعه الخاص. بدأ برأس مال متواضع - جهاز لابتوب فقط - يُقدِّم من خلاله خدمات التصميم للشركات الصغيرة. كانت خطوته الأولى محفوفة بالتحديات، حيث رفضت الشركات الكبيرة التعامل معه لعدم وجود سجل تجاري أو بورتفوليو ضخم.
النجاح المتدرج وصولًا للمنافسة الدولية
من خلال تصميمات محترفة بأسعار تنافسية (200-300 دينار للتصميم)، استطاع فراس تجميع رأس مال كافٍ لافتتاح ورشة صغيرة. بدأ يتخصص في تصميم قوالب وقطع الغيار لشركات الأدوية والأغذية. وقد لاحظ حينها أنَّ السوق المحلي يعاني من ضعف الجودة، وقرر السفر إلى تركيا رغم عائق اللغة (لا يتقن الإنجليزية أو التركية)، حيث اعتمد على لغة الإشارة والترجمة الإلكترونية للتواصل مع المصانع التركية التي تنتج بجودة أوروبية.
بعد حصوله على منتجات بجودة عالية، عاد فراس إلى الأردن حاملًا رسالة واضحة للعملاء: "المنتج الذي أقدمه ينافس في جودته ألمانيا وإيطاليا".
نجحت استراتيجيته في إقناع العديد من الشركات الكبرى، وبدأت طلبات العمل تتدفق عليه. لم يقتصر طموح فراس على السوق المحلي، فقد سافر إلى العراق وكردستان وفاز بمشاريع كانت تتنافس عليها شركات إيطالية وألمانية. واجه شروطًا صعبة من العملاء، لكنه قبل التحدي وأنتج نماذج تجاوزت توقعاتهم.
فلسفة النجاح: الخطوات الصغيرة تقود إلى الأحلام الكبيرة
يؤمن فراس إيمانًا راسخًا بأنَّ الطريق إلى أي نجاح يبدأ بخطوة صغيرة، لكن الثبات واستمرار المسيرة هما ما يوصِلان إلى الهدف. هذه الفلسفة تجسدت بشكل عملي عندما فازت شركته بمشروع دولي في العراق، حيث تنافست بنجاح ضد شركتين أوروبيتين مرموقتين (إيطالية وألمانية)، وتمكنت من تقديم قيمة مضافة تفوقت على المنافسين.
عندما يُسأل عن كيفية تحفيز موظفيه للمشاريع الدولية ذات الضغوط العالية، تكون إجابته مستمدة من فلسفة والده: "أنا أعامل كل اللي عندي كإنا عائلة... عمري ما عاملت بني آدم على إنه موظف."
يشرح فراس أنَّ العلاقة بينه وبين فريقه تستند على مفهوم "الشراكة في الرزق". يقول لموظفيه: "هذا البزنس بدو يطعمينا كلنا... إذا أنت قصرت راح يأثر علينا كلنا." ويؤكد على فكرة أنَّ أرباح الشركة سببًا في رزق جميع من يعمل فيها، وكل أثر إيجابي يتركه الموظف له مكافأة في المقابل.
التحدي الأوروبي: كسر حاجز الثقة
بعد النجاح في أسواق الخليج، لاحظ فراس تحيزًا واضحًا لصالح الشركات الأوروبية على حساب العربية، رغم تساوي الجودة أحيانًا. وبدلًا من اليأس، قرر مواجهة هذا التحدي مباشرة. بدأ يسافر لحضور المعارض الأوروبية ويدرس السوق عن قرب، ليتوصَّل إلى قرار جريء، ألا وهو تأسيس شركة في هنغاريا لدخول الأسواق الأوروربية والمنافسة فيها، حيث يقول: "إحنا كشركة أردنية عنا المقدرة أن ندخل أسواق أوروبا بكل أريحية... عندنا عقول وعندنا إمكانية أن نلبي أي شيء."
كما وانتقد ظاهرة هجرة هروب الكفاءات العربية، مُحمِّلًا الشركات المحلية جزءًا كبيرًا من المسؤولية، ويرى أن الكفاءات الحقيقية تحتاج إلى بيئة محفزة وأجور عادلة، وأن محاولة توظيف "عمالة برواتب قليلة" لن تجلب سوى خسارة الوقت والجهد. النصيحة التي يقدمها لأصحاب العمل بسيطة لكنها عميقة: "إذا بدك إنك تخلق إنسان مبدع، خليه مرتاح في المكان، وساعده ليتطور ويطلع درجة درجة، ولا تتوانى إنك ترفعه إلى مستوى أعلى."
نصائح وخلاصة دروسه في الحياة
من خلال رحلته الملهمة، لم يقدم فراس أبو سنينة مجرد سيرة ذاتية، بل قدَّم نموذجًا قياديًا وإنسانيًا يمكن الاقتداء به. وفيما يلي أبرز الدروس والنصائح التي استخلصها من تجربته:
1. القيادة بالأخوة لا بالإدارة فقط
اختزل فراس فلسفته القيادية في جملة واحدة: "بحب اتعامل معهم كأسرة واحدة"؛ فهو لا ينظر إلى فريق العمل على إنهم مجموعة موظفين، بل أخوة تربطهم روابط متينة تتجاوز إطار العمل التقليدي، مما يخلق بيئة داعمة ومفعمة بالثقة المتبادلة.
2. تعلَّم من محيطك: الفريق مدرسة
رفض فراس فكرة القائد "الذي يعرف كل شيء"، مؤكدًا أن القائد الحقيقي هو طالب علم دائم، وفريقه هو مصدر معرفته. ففي كل موظف شغف أو خبرة مميزة، والقيادة الحكيمة هي التي تعرف كيف تستمتع بهذا الكنز وتستفيد منه.
3. لا تخش من الموهوبين: استثمر بخبرة المحترفين
كسر فراس القاعدة التقليدية التي تدفع بعض المديرين للخوف من توظيف المتميزين، ويؤمن بأنَّ وجود خبير أكثر موهبة في الفريق ليس تهديدًا، بل فرصة لفتح آفاق جديدة للجميع. وحذَّر من النظرة "الوصولية" في الإدارة التي تقتل الطموح والموهبة، مؤكدًا أن الاستثمار في تطوير المتميزين يطور المؤسسة بأكملها.
4. ابنِ نفسك: الشهادة نقطة انطلاق وليست محطة وصول
وجَّه فراس رسالة مباشرة للشباب مفادها أن الامتياز الحقيقي لا يكمن في الحصول على الشهادة فقط، بل في استغلالها بأفضل طريقة. وشدد على أهمية الطموح الشخصي والعمل الدؤوب قائلًا: "إذا عندك فكر صناعي.. خليك طموح واشتغل وطور من نفسك."
5. حَوِّل الإحباط إلى وقود للطموح
من خلال قصة سيارة "الرينو" القديمة والموقف الذي مرَّ به مع صاحب السيارة الفخمة، استخلص فراس درسًا حياتيًا مهمًا، حيث ذكر أنَّ هذا الموقف لم يُشعره بالإحباط، بل أصبح محفزًا قويًا له على المضي قدمًا، وإثبات أن كل شيء يمكن تحقيقه بالعمل والتصميم.
ولتفاصيل القصة: يذكر فراس خلال الحلقة بأنَّه توقف في أحد الأيام في أحد شوارع عمان على إشارة مرور، لتقف بجانبه سيارة فاخرة من نوع "رينج روفر"، وقد لفتت نظره فخامة السيارة. أما المفاجأة حين طلب منه سائق السيارة فتح شباكه، ليخبره أنَّ سيارته "الرينو" هذه كانت له يومًا ما!
6. تقبّل ماضيك لأنه أساس قوتك الحالية
عندما سُئل عن الذكرى التي سيعيدها مرارًا وتكرارًا، لم يتردد في الإشارة إلى بداياته الصعبة، معتبرًا إياها لحظات "حلوة بس مؤلمة". هو لا يخجل من ماضيه، بل يراه مصدرًا للقوة والدافع الذي يدفعه ليقدم الأفضل كل يوم.
بكلماته الختامية، لخَّص فراس رؤيته للحياة: "كلنا نتعلم من بعضنا، الحياة مدرسة وكل يوم نتعلم شيء جديد"، وهي خاتمة تليق برحلة قائد يؤمن بأن الإنجاز الحقيقي ليس في الوصول إلى القمة، بل في الرحلة ذاتها التي يتعلم فيها الإنسان من كل تجربة ومن كل شخص يقابله.
الحياة مدرسة... وكل يوم نتعلم شيء جديد
الفشل غير موجود في حياة الإنسان، وإنما هي "محاولات" لحين تحقيق النجاح
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.