أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / من الألم إلى الأمل، قصة حوَّلت التحدي إلى نجاح

الحلقة 6: من الألم إلى الأمل، قصة حوَّلت التحدي إلى نجاح

هديل أبو صوفة

المدير العام @ المعاصرون للأكياس المنسوجة

حوّلت إصابة أوقفت قدميها عن الحركة إلى قوة قادتها للتغيير؛ من طفلة على كرسي متحرك إلى نموذج قيادي في الصناعة، وناشطة في تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة، ودمجهم في المجتمع والعمل. قصة هديل تثبت أن الإرادة أقوى من كل الظروف، وأن العطاء هو أعظم أثر يمكن أن يتركه الإنسان خلفه.

كانت طفلةً نشطةً لا تفارقها الابتسامة، تُحب الركض واللعب مثل أي طفل في الحادية عشرة من عمرها. لكن قدرًا مختلفًا كان ينتظر هديل أبو صوفة، فحادث سيارة مأساوي غيَّر حياتها إلى الأبد، لتصبح مُقعدة على كرسي متحرك. لكن هديل لم تكن تعلم أنَّ هذا الكرسي سيكون بداية رحلة إصرار وتحدٍ، لتبدأ رحلتها من هذا المقعد، وتصبح المديرة العامة لمصنع "المعاصرون للأكياس المنسوجة"، ورمزًا للعطاء والأثر في مجتمعها.

فما هي تفاصيل قصتها؟ وما الأثر العظيم الذي نجحت بتركه خلفها في الجامعات الأردنية؟ تابع قراءة المقال لتعرف أكثر عن قصة هذه الشابة التي حاورتها سالي في الحلقة السادسة من بودكاست "على سيرة شغل مع سالي".  

البداية: الإصرار عندما يرفض القلب الاستسلام

تبدأ القصة في عمر الحادية عشرة، حين كانت هديل طفلةً نشطةً تحب الركض واللعب، حتى غيَّر حادث سير مأساوي مسار حياتها للأبد، لتصبح مقعدة ويلازمها الكرسي المتحرك طيلة حياتها. في عمرٍ مبكرٍ واجهت هديل صدمة التغيير الجذري، ولكن الأصعب كانت المواجهة مع بيئة غير مهيأة وعقلية مجتمعية غير متقبلة. "كان صعب لبنت عمالها تركض وتلعب... تلتصق بهاد الكرسي"، بهذه العبارة تصف هديل لحظة التحول. لكن الدعم الأسري كان حجر الزاوية؛ حيث حملها أصدقاؤها وأهلها على السلالم لدخول الفصول الدراسية، مما ساعدها على العودة إلى حياتها الطبيعية نسبيًا.

واجهت هديل عقبات كبيرة في المدرسة، ليس بسبب عدم التهيئة البيئية فحسب، بل بسبب عقليات قاسية. تتذكر بحزن موقف مديرة المدرسة التي كانت تصفها بـ "حجر عثرة"، وتضرب كرسيها المتحرك أمام الطالبات. وقد بلغ الأمر حد إجبارها على إعادة الصف الخامس والسادس بسبب غيابها للعلاج، رغم محاولات أسرتها لإجراء الامتحانات في المنزل.

قررت هديل عدم الاستسلام للظروف، ومواجهة هذه المديرة التي كانت تلقبها بـ "حليمة اللئيمة"، ولم تسمح لها بأن تكسرها، وكانت السبب في صقل شخصيتها القوية. وقد استطاعت إيجاد الجانب المشرق حتى في هذه المحنة، حيث تقول: "بعدها صرت أشوف الإيجابية في الموضوع.. صار عندي ثلاث أجيال مصاحبتهم وبعرفهم".  

من الطالبة إلى الناشطة الحقوقية: كيف حوَّلت تحديات الجامعة إلى منصة للتغيير؟

مع تغيير مديرة المدرسة، تغيرت حياة هديل بالكامل، حيث وجدت من المديرة الجديدة، رنا عصفور، الدعم الذي كانت تحتاجه. وقد كان هذا الدعم نقطة التحول الحقيقية في حياتها، فقد بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، و تؤمن بقدرتها على تحقيق أحلامها رغم كل التحديات. تقول هديل: "الألم كان جزء من مسيرة نجاحي. بيحكوا it's part of the process. صح".

وبعد أن أنهت هديل دراسة الثانوية العامة "التوجيهي"، وحصلت على معدل عالٍ وتفوق نال تقدير سمو الأمير رعد، دخلت الجامعة لتبدأ فصلًا جديدًا من التحديات. لكنها هذه المرة كانت مستعدةً لمواجهة الصعاب بقلبٍ أكثر صلابة، وعقلٍ أشد إصرارًا.

المواجهة: عندما يصبح الأستاذ مصدر ألم

لكن رحلة الوعي هذه لم تكن مفروشة بالورود، فقد واجهت هديل مواقف صادمة من بعض الأساتذة، كان أبرزها موقف مع أحد الدكاترة، حيث تقول: "أول ما دخل ما حكى السلام عليكم. على طول قال لي: إنتِ زيحي، في ناس وراكِ بدهم يشوفوا." كانت الصدمة أكبر عندما أدركت أن هذا الدكتور درس بالخارج، ورأى التسهيلات المتوفرة لذوي الاحتياجات الخاصة هناك.

لكن هديل لم تستسلم، رغم لحظات الضعف التي كانت تدفعها للبكاء وحدها، لتعود أقوى بكثير في كل مرة، وتقرر أن تكسر حاجز الخوف من المواجهة، ليس لنفسها فقط، وإنما للأجيال التي تأتي من بعدها.

الصحوة: من "المِنَّة" إلى المطالبة بالحقوق

المنعطف الحقيقي في حياة هديل كان عند دخولها الجامعة الأردنية (كلية الزراعة - تكنولوجيا الغذاء). هناك، واجهت التحدي الأكبر: البحث عن "منحدر" (رامب) لتتمكن من الدخول إلى الكلية، وحملها زملاؤها (أحيانًا 5 شباب) للطابق الثاني لحضور المختبرات. لم يكن الأمر يتعلق بالشفقة، بل بحقٍ من حقوقها. أما مشاركتها في دورة حول "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة" فتحت عينيها، لتعرف أن ما تطلبه حقًا لها، وليس مِنة أو خدمة إضافية من الجامعة، وهي حقوق منصوص عليها باتفاقيات وقوانين دولية.

لم تذهب جهود هديل وتطوعها سُدى؛ بل نجحت في تحقيق إنجاز ملموس وحقيقي على أرض الواقع من خلال حملتها "صار وقتها" للمطالبة بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الجامعة، ونتيجة لذلك قررت الجامعة تهيئة واحد وعشرين دورة مياه، وإجراء الكثير من التغييرات لتحسين ظروفهم، مما غيَّر حياة عشرات الطلاب من بعدها.

في ذلك الوقت بدأت هديل تستشعر الحكمة من إصابتها وكونها من ذوي الاحتياجات الخاصة، لتدرك أن رسالتها في الحياة تكمن في توعية الناس أكثر، لتقرر حينها أن تصبح مدربة في مجال حقوق الإنسان.

التطوع: من الدموع إلى البصمة الخالدة

أعطاها نجاح هذه الحملة زخمًا ودافعًا أقوى للاستمرار، ولم تكن هديل تعلم أن عملها التطوعي سيفتح لها أبوابًا لم تتخيلها، حيث حصلت على جائزة أفضل متطوعة على مستوى الأردن لعام 2015، كما وحصلت على تكريم آخر في الإمارات العربية المتحدة، ومثلت بلدها الأردن في الكثير من المؤتمرات والفعاليات الدولية.

سافرت إلى أمريكا ضمن برنامج تبادل ثقافي، وهناك، دخلت إلى مدرسة دامجة بالكامل ومسرح مهيأ للمكفوفين والصم، فلم تتمالك نفسها وبكت. تقول:"وقفت عند الصور وبكيت... قلت لهم إحنا بدنا كتير شغل بالأردن". كانت تلك اللحظة دافعًا إضافيًا لها لمواصلة العمل، والسعي لإحداث تغيير ملموس.

الرسالة: من تجربة شخصية إلى إرث مجتمعي

تختصر هديل فلسفتها في الحياة بإيمانها بمبدأ العطاء والإحسان، وتنصح الشباب والفتيات بالتطوع لا سيما في مقتبل حياتهم، حتى يشعروا بقيمة أنفسهم من خلال ترك بصمة في الحياة ومساعدة الآخرين، وبنفس الوقت اكتساب منظور آخر للحياة، حيث إن التطوع يساعد الأشخاص في صقل شخصياتهم واكتساب خبرات وتجارب مختلفة ومميزة.

بعد رحلة جامعية مليئة بالتحديات، وقفت هديل أبو صوفة على أعتاب مرحلة جديدة. كانت خريجة هندسة تكنولوجيا الأغذية، تحمل في قلبها حلمًا لا يعرف المستحيل، وفي عقلها إرادة لا تعترف بالحواجز. عُرض عليها وظيفة منسقة مشاريع في منظمة USAID، بناءً على سمعتها في مجال التطوع وخدمة المجتمع، لتكون هذه الوظيفة الأولى في رحلتها المهنية، والتي كانت ثمرة عملها التطوعي خلال السنوات التي مضت.

واجهت هديل تحدي اللغة الإنجليزية (كونها خريجة مدارس حكومية) والخوف من البيئة الجديدة، لكن الدعم من زملائها (مثل: لمى صداوي) وإيمانها بالرسالة التي تحملها ساعدها على تجاوز حاجز الخوف. عملت بعدها في عدة مؤسسات دولية قبل أن تنتقل إلى العمل الحر (Freelancing) لتقديم الاستشارات في السياسات الدامجة.  

المنعطف الأكبر: من المؤسسات الدولية إلى القطاع الخاص الصناعي

عملت هديل لمدّة أربع سنوات في المنظمات الدولية، لتأتي نقطة التحول التي غيرت مجرى مسيرتها المهنية، عندما اقترح عليها أخوها الانضمام للعمل معه في مصنع العائلة. جاء أخوها يومًا بعرض غير متوقع: الانضمام إلى مصنع العائلة الناشئ لصناعة الأكياس المنسوجة الثقيلة (Heavy Duty).

كان القطاع الصناعي عالمًا جديدًا وغريبًا عليها، مليئًا بالتحديات. رغم تخوفها قبلت التحدي، وقررت الدخول إلى عالم جديد بعيد كل البعد عمَّا اعتادت عليه في عالم المؤسسات الدولية. تقول: "أنا كنت مفكرة العلم محصور بحقوق الإنسان... لكن لما دخلت المصنع شفت آلات وماكينات ورياضيات... كان عندي هوس إني أفهم إيش اللي عم بيصير".

اضطرت هديل لمواجهة رفض العُمّال لوجودها، وخوفهم من عدم جدارتها الحقيقية كونها "ابنة صاحب المصنع". لم يساعدها أحد في البداية، فقررت أن تتعلم كل شيء بنفسها. تقول: "حطيت اللاب توب على رجلي.. ونزلت قعدت جنب الماكينات... قعدت شهرين ما أشوف مكتبي". كانت تريد أن تفهم كل عملية إنتاجية حتى لا يستطيع أحد خداعها أو التقليل من شأنها.

قيادة التغيير: الصور النمطية وبناء بيئة دامجة

من مدخلة بيانات إلى منسقة إنتاج إلى مديرة للمصنع وأخيرًا في منصب المدير العام، هي رحلة هديل خلال أربع سنوات في المصنع. أما التحدي الأكبر لها فكان "تحدي الصور النمطية"، امرأة على كرسي متحرك تقود مصنعًا في صناعة رجالية ثقيلة!

واجهت نظرات تشكيكية حتى من العمال أنفسهم، الذين لم يكونوا مرتاحين لفكرة عمل النساء في المصنع.

فلسفتها الإدارية: التنوع مصدر قوة

تبنَّت هديل فلسفة إداريّة تستند على مبدأ "الدمج والتنوع"، لإيمانها بأن الاختلاف والتنوع يُضفي قيمة أكبر للمكان، وأن دمج ذوي الإعاقة والنساء في القطاع الصناعي ليس مِنّة، بل استثمار ذكي يُثري بيئة العمل ويحقق أرباحًا، وقد عكست هذه الفلسفة من خلال دمج النساء في بيئة العمل، ولذا قررت هديل توظيف النساء في المصنع ودمجهم، ونظمت جولات لأهالي العمال لطمأنتهم بتوفير بيئة عمل آمنة ومحترمة لنسائهم.

نجحت هديل في تعزيز مكانة المصنع ليصبح الأول من نوعه من الأردن، ونجح في اختراق الأسواق العالمية، ويُصدِّر ما يقارب 85% من إنتاجه، وهو نجاح تجاري باهر تتحقق فيه العدالة الاجتماعية. تختتم هديل رحلتها الملهمة بحكمة: "رسالتي واحدة: خلينا دائما نفكر إيش ممكن إحنا نقدر نعطي للمجتمع". وتضيف مبتسمة: "الحياة مغامرة جريئة.. أو لا شيء".  

خلاصة الدروس المستفادة من قصة هديل

لم تكن قصة هديل قصة عادية، بل هي نموذج لفتاة شابة نجحت في تحويل ألمها إلى قصة أمل، لتكون رمزًا للقيادة والنجاح، وتثبت لنا أن الإرادة تصنع المعجزات والعطاء يبني الأمجاد. ومن أهم الدروس التي نستقيها من قصتها الاستثنائية:

  1. التحدي ليس نهاية المطاف؛ بل بداية طريق جديد ونافذة أمل.
  2. الدعم النفسي أهم بكثير من الدعم المادي، والعطاء يضفي للإنسان قيمة رائعة.
  3. الإرادة القوية تستطيع تحويل أصعب الظروف إلى فرص.
  4. النظرة الإيجابية للحياة تساعد في تجاوز العقبات.

تُذكرنا قصة هديل أبو صوفة بأنَّ النجاح ليس حكرًا على أحد، وأنَّ الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، وإنَّما في العقل الذي يقرر الاستسلام للظروف والهروب من مواجهة صعاب الحياة، وأنَّ القيادة الحقيقية هي التي تخلق تنوعًا واختلافًا في المجتمع، والعامل الأول للنجاح والتأثير. كما وأثبتت لنا هديل أن البصمة الحقيقية هي التي تترك الأثر في حياة الآخرين، وتفتح الطريق للأجيال القادمة!

دمج ذوي الاحتياجات والنساء في الصناعة مش منّة… هو استثمار ذكي يصنع بيئة عمل أقوى وأربح.

كنت أطلع على الكرسي وأقول: ليش أنا؟… بس اليوم بعرف إنو هاد كله كان جزء من رسالتي.

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.