الحياة مغامرة… وتستحق التجربة مهما كان عمرك.
خولة الشيخ
أول "مواسرجية" في الأردن ومؤسسة @ مركز سواعد النشمية
اقتحمت مهنة السباكة عن عمر الأربعين بشجاعة غير مألوفة، وحوّلت عملًا رجاليًا بحتًا إلى رسالة تمكين، ومشروع وطني يُدرّب النساء على الاستقلال والمهارة. من صدفة تعليم ترشيد المياه إلى تأسيس مركز مهني رائد، صنعت خولة طريقها بالإصرار، العطاء، والإيمان بأن العمر مجرّد رقم أمام الشغف الحقيقي.
في مجتمع شرقي تبرز امرأة تُحطم قيودًا بجرأتها وإصرارها، لترسم بطريقتها الخاصة مسارًا جديدًا يُلهم الآخرين، وتكسر قيد بعض المهن التي تُعد حكرًا على الرجال فقط. إنَّها قصة لا تتعلق بكسر الصورة النمطية لمهنة "السباكة"، بل بامتلاك الشجاعة للبحث عن الذات والشغف، حتى لو بعمر الأربعين!
هذا ما تمثله باختصار رحلة "خولة الشيخ" أول مواسرجية (سباكة) في الأردن، والتي لم تكن امرأة عادية، بل امرأة جريئة، اقتحمت بكل إصرار وعزيمة مهنة ذكورية بحتة، ولتصبح أيضًا مهندسة ديكور حولت تحديًا شخصيًا إلى مشروع وطني، ومشكلة يومية لفرصة مبدعة ومؤثرة.
فما هي تفاصيل الحكاية؟ وكيف نجحت خولة في ترك بصمتها الخاصة في المجال، لتكون عونًا لنفسها أولًا ولغيرها من الأمهات المعيلات، لتعلُّم حِرفة تمكنهن من كفاف أنفسهن والاستقلال بذاتهن؟ هذا كله وأكثر سنعرفه في هذا المقال، وهو ما ترويه خولة لنا في الحلقة السابعة من بودكاست على سيرة شغل مع سالي.
بداية الرحلة: من هي خولة الشيخ؟
خولة الشيخ أردنية من مواليد الكويت، انتقلت للعيش في الأردن في حرب الخليج، ولم تحصل على شهادة الثانوية العامة نتيجة الحرب، لتكون هذه النقطة محورية في حياتها، حين وجدت نفسها في منتصف العمر تشعر بحاجة مُلِحَّة لتحقيق ذاتها، بعد أن كبر أطفالها، ولم يعودوا يعتمدون عليها كثيرًا. لم تخطط خولة لرحلتها في عمل السباكة، بل بدأت بمحض الصدفة عندما قرأت إعلانًا لدورة حول "ترشيد استهلاك المياه"، ينظمها ملتقى سيدات الأعمال والمهن الأردني، لتقرر الالتحاق بها والاستفادة من وقت فراغها، لتكون هذه الشرارة الأولى التي ستغير مسار حياتها للأبد.
تعرفت خولة في هذه المبادرة الوطنية على "قطع ترشيد استهلاك المياه"، والتي تهدف لمواجهة شح المياه في الأردن، لتجرب الأمر بنفسها في المنزل، وتدرك أهميته في تقليل تكاليف فاتورة المياه الشهرية، لتبدأ عملها التطوعي لشرح تجربتها لربات البيوت، وتعليمهن كيفية استخدام هذه القطع البسيطة وترشيد استهلاك المياه.
من التطوع إلى الاحتراف: رحلة الشغف التي تحدَّت التقاليد
كشفت لها زياراتها المتكررة لربات البيوت حلًا لمعضلة مخفية في المجتمع، حيث ترفض بعض النساء إدخال رجل غريب لمنزلها في غياب زوجها أثناء عمله، لتضطر لانتظاره لحين وقت فراغه وإصلاح مشاكل السباكة لديها في المنزل، لتحول الفكرة إلى قرار جريء في عام 2004، حيث قررت خولة الانضمام لدورة في مؤسسة التدريب المهني، لتجد نفسها "المرأة الوحيدة" في قسم مليء بالذكور، وأكملت الدورة بعد ثلاثة أشهر، لتصبح أول امرأة في الأردن تتقن هذه الحرفة.
زوج يدعم حلم زوجة.. وخبرة تسبق المصداقية
تؤكد خولة على دور زوجها الداعم آنذاك، ورأى في مبادرتها فرصة لمساعدة ربات البيوت، وفتح فرص عمل لهن. لم تكن الثقة وحدها كافية، فلا بُد من أن تكون خبيرة أيضًا، وهنا عرض عليها زوجها العمل عنده لمدة عامين لاكتساب الخبرة العملية، لترى بعد سنتين من التدريب العملي أنها قادرة على الانطلاق بمشروعها الخاص.
وقد سعت في الوقت نفسه للحصول على اعتراف رسمي، وتقدمت لامتحان مزاولة المهنية، وحصلت على شهادة تؤهلها للعمل بهذه الحرفة رسميًا.
العميلة الأولى: دهشة وثقة
لم تكن أولى تجارب خولة المهنية مجرد مهمة عمل روتينية، بل كانت لحظة اختبار حقيقية لمهارتها ومصداقيتها. تروي خولة بتأثر واضح: "أول زبونة كانت مميزة".. حيث كانت سيدة منقبة من الخليج، وزوجها طالب علم يغيب عن المنزل حتى العاشرة مساءً.
أما التحدي الذي واجهها حينها أنَّ السيدة طلبت منها إصلاح "حنفية المجلى"، لتكتشف أنها ستحتاج إلى تغييرها بالكامل، وقررت قبول التحدي، ونجحت بالفعل في تغييرها وتركيب قطعة جديدة بالكامل.
أما المفاجئ في هذه القصة أن زوج هذه السيدة لم يصدق أن "امرأة" قد فعلت ذلك، وطلب أن يتواصل مع زوجها، لتتحول إلى قصة صداقة عائلية، وتبدأ من هنا مسيرتها المهنية.
تحدٍ آخر: كسر الصورة النمطية عن مهنة السباكة
لم تضطر خولة لمواجهة التحدي التقني فحسب، بل كان اجتماعيًا أيضًا، حيث سعت إلى كسر الصورة النمطية عن "المواسرجي"، وذلك من خلال حفاظها على مظهرها الاحترافي باختيار ملابس رسمية مناسبة، والاهتمام بنظافة المكان وتسليمه بأفضل صورة ممكنة، وهو عكس السائد عن "عمل المواسرجية" الرجال للأسف.
تمكين المرأة: من الرفض إلى الفخر
لم تكتفِ خولة بنجاحها الشخصي، بل أخذت على عاتقها تمكين نساء أخريات، وتروي هنا قصة امرأة أرملة تدعى "عائشة العماري"، التي بدأت تساعدها في العمل عام 2013، وقد كان ابنها يرفض فكرة عمل أمه في السباكة.
ولكن المفاجأة كانت عندما اتصل هذا الابن نفسه بخولة بعد عامين (2015)، ليشكرها على صنيعها مع أمه، ويعبر عن فخره بها وبإنجازها، حيث تحولت أمه من سيدة "تنتظر المعونة" في نهاية الشهر إلى معيلة لأسرتها.
التحدي العائلي: من المعارضة إلى الدعم
أمّا التحدي الأصعب فكان من داخل بيتها، حيث ذكرت أن ابنها الثاني كان يرفض عملها بشدة، ويطلب من والده منع أمه من العمل في هذه المهنة. ولكنها تؤكد أن الأمور تغيرت مع الوقت وأن ابنها أصبح الداعم الأكبر لها فيما بعد. لم يكن التحدي الأكبر لخولة إتقان الحرفة، بل في كسر جميع الحواجز الاجتماعية التي انتصرت فيها بجدارة.
رحلة النجومية: من الأردن إلى ألمانيا
عاشت خولة نقطة تحول جذرية في قصتها في عام 2016، ليفتح القدر لها بابًا جديدًا نحو العالمية، وذلك حيث جاءها اتصال من مخرجة ألمانية تدرس الماجستير، لتخبرها بترشيح قصتها مع 7 سيدات أردنيات أخريات لتحويلها لفيلم وثائقي. وافقت خولة على هذه الفرصة، وعرضت على المخرجة مرافقتها إلى "المفرق"، حيث كانت تقدم دورة في جميعة "أم الجمال"، وما رأته المخرجة الألمانية آنذاك من حب النساء لها، وأثرها الكبير في حياتهن جعلها تختار قصتها هي دونًا عن غيرها من الأسماء الأخرى المقترحة.
لم تكن خولة تعلم أن هذه الزيارة ستمتد لثلاث سنوات (2016-2019) من التصوير، لتنتج فيلمًا وثائقيًا بعنوان "Water Proof"، يروي قصة حياتها. دُعيت خولة ورفيقتاها عائشة العماري ورحاب إلى ألمانيا لحضور مهرجان الأفلام الوثائقية، لتكون هذه الرحلة تحقيقًا لحلم لم يتخيلنه يومًا، و تجربة فريدة من نوعها. عُرض الفيلم باللغة الألمانية مع ترجمة إنجليزية لمدة 90 دقيقة، وكان يروي قصة نجاح خولة، وتأثيرها على رفيقاتها، وقد تفاعل الجمهور الألماني وتأثر بالقصة، وطرحوا عليهن الكثير من الأسئلة بعد وقوفهن على المسرح بعد انتهاء العرض.
حلم التعليم: من الهندسة إلى لغة الإشارة
شخصية مثل خولة تدرك تمامًا أن قصتها لن تنتهي هنا، فلم تتوقف رحلتها في تطوير ذاتها لهذا الحد، حيث قررت عام 2011 التسجيل في الجامعة بتخصص هندسة ديكور، ليضيف لها التخصص أبعادًا معرفية أعمق في عالم شبكات المياه والتمديدات الداخلية في البيوت.
وفي عام 2014 ابتعثت مؤسسة التدريب المهني 14 متدربًا لألمانيا لتدريبهم على التكييف والتبريد لمدة 21 يومًا، وحصلت على شهادة تدريب المدربين (TOT)، لتكون هذه التجربة المُلهم الأساسي لإنشاء مركزها "سواعد النشمية"، والذي أسسته لتدريب الأمهات المُعيلات. ومن المثير للإعجاب أيضًا في قصتها تعلمها للغة الإشارة، حيث قررت مساعدة السيدات من ذوات الإعاقة السمعية، وتعليمهن هذه المهنة أيضًا.
لقاءات لا تُنسى: مفاجأة السفارة واللقاء الملكي الأردني
في عام 2021، كان بانتظار خولة مفاجأة من العيار الثقيل، حين وصلها اتصال من السفارة البريطانية، حيث حصلت على دعوة استثنائية لمقابلة الأميرة كاميلا (زوجة الأمير تشارلز وقتها). اختيرت خولة بين نخبة الرياديات الأردنيات لمقابلة الأميرة، لتكريمهن ضمن مؤسسة "نساء العالم" (Women of the World) التي تهدف لدعم السيدات الرياديات حول العالم. لكن عقل خولة المبدع لم يكتفِ بحضور اللقاء، بل فكرت بهدية تليق بالمناسبة وتعبر عن هويتها. تقول مبتسمة: "عملت لها روبوت رِجّال آلي يده من الحنفية... كله حديد، سننت قصيت الحديد نصف إنش"، لتقدم لها تحفة فنية تجسيدًا لشخصيتها التي تجمع بين براعة الحرفي وإبداع الفنان. وقد أبدت الأميرة إعجابها بالهدية الفريدة من نوعها. ومما يجدر الإشارة إليه أهمية التوقيت الذي اختارته خولة لإيصال رسالتها، حيث كانت شاشات التلفزيون قبل أسبوعين فقط من اللقاء تناقش أزمة شُح المياه في الأردن.
أمَّا اللقاء الأكثر تأثيرًا في نفس خولة فكان مع جلالة الملكة رانيا العبد الله، حيث تراها قدوتها التي تحتذي بها عند شعورها بالإحباط، وقد التقت بها خلال عملها في صيانة خزانات المياه في جمعية بالسلط. لم يقتصر اللقاء على الصور التذكارية فحسب، بل نشرت الملكة صورهم على صفحتها بيوم المرأة العالمي 2016 مع تعليق "سيدات طموحات".
كما وكُرمت أيضًا بحصولها على دعوة من جلالة الملك عبد الله الثاني لحضور حفل عيد الاستقلال السبعين في القصر.
رحلة تحول الحلم إلى مؤسسة راسخة
كان التحول الأهم في مسيرتها المهنية تحول هذه المهنة الفردية إلى مشروع مؤسسي راسخ، ورغم أن رحلتها ساعدتها في تحقيق ذاتها واستقلاليتها، إلى أنها كانت رحلة شاقة، مليئة بالشكوك والتساؤلات، بدأت من امرأة خائفة في الأربعين إلى سيدة أعمال واثقة في الستين من عمرها، لتثبت لنا أن الإرادة تصنع المعجزات، وأن العمر مجرد رقم.
خلاصة الرحلة: ليس كل ما يلمع ذهبًا والإنجاز الأسمى في القلوب
لخصت خولة جوهر ما تعلمتها في رحلتها بقولها: "تعلمت إنه مش كل شي بتشوفه بلمع هو ذهب". أما عن فلسفتها في الحياة والتي دائمًا ما تُشدد عليها فهي العطاء والعمل، كما وأكدت أن هذا لم يكن مجرد شعار في حياتها، بل قيمة آمنت بها و عاشتها شخصيًا.
أما إجابتها عن سؤال سالي لها بإنجازها الأهم والذي تفتخر به، فهو تأسيسها لأول مركز تدريب مهني للسيدات للمهن غير التقليدية "سواعد النشمية".
وتختتم سالي الحوار بشكرها الخاص لخولة، والتي مثلت قصة امرأة طموح حولت دموع التحدي إلى ينابيع للإلهام، وكانت جسرًا لعشرات النساء اللواتي أصبحن جزءًا من تقدم المجتمع لا عالة عليه. وأثبتت لنا أن أعظم الإنجازات تلك التي تترك أثرًا في قلوب الآخرين، وهذا بالضبط ما فعلته أول "مواسرجية" في الأردن، التي حولت مهنتها إلى رسالة، ودرسًا بأن المستحيل مجرد كلمة فقط.
قلت لحالي: إذا بدي أتعلم، لازم أواجه.
إذا كان عندك هدف وإنت مؤمن فيه.. رح توصل
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.