التميز هو السبيل الوحيد للاستمرارية والنجاح في سوق مليء بالمنافسين المُقلدين.
منير العيسوي
مؤسس @ أشهر صالونات التجميل في الأردن ورائد تطوير منتجات الشعر محليًا
ترك المدرسة منذ الصف العاشر ودخل صالونات التجميل بالصدفة، ليبدأ من غسيل الشعر 5 سنوات وينتهي بصالونه الخاص في عبدون ثم سيتي مول، وينطلق لإنتاج منتجات كيميائية متخصصة للشعر. منير مثال حي على أن الشغف والتعلّم من الميدان قادران على صنع إمبراطورية حقيقية بعيدًا عن مقاعد الدراسة.
هل تشعر أنَّك لا تنتمي إلى مقاعد الدراسة؟ وأنَّ النظام التعليمي يُقيِّد أحلامك ولا يلامس شغفك الحقيقي؟ هل تخشى من تعلم مهنة أو حرفة بعيدًا عن التعليم الأكاديمي خلافًا للمتعارف عليه في المجتمع؟!
أنت لست وحدك. هذه كانت بداية قصة منير العيسوي؛ فقصته لم تكن كأية قصة أخرى خضنا تفاصيلها في حلقات بودكاست "على سيرة شغل"، في مجتمعٍ يُقدِّر الشهادات الأكاديمية تبرز قصته لتكون دليلًا على أنَّ الشغف والمثابرة يمكن أن يصنعا النجاح أكثر من أي شهادة جامعيَّة.
منير لم يُحب الدراسة يومًا، وترك المدرسة منذ الصف العاشر، ليجد نفسه في عالم صالونات التجميل صُدفةً، لكنَّه استطاع أن يبني امبراطورية حقيقية، ويسطر قصة كفاحٍ مميزة خارجة عن المألوف.
في هذا المقال، سنتعرَّف معًا على تفاصيل رحلته من البدايات المتواضعة إلى قمة النجاح، ليثبت لنا أن النجاح غير مشروط بشهادة جامعية، وأن الشغف قد يكون أعظم حافز لطلب العلم. ولكن السر الذي سنخبرك به قبل أن نبدأ، بأنَّ منير نفسه لم يدرك أنَّ خطوته التي بدت تهور مراهق في عمره آنذاك، ستقوده إلى صناعة إمبراطورية للجمال من العدم. من شاب يعمل في إعداد "القهوة والشاي" وغسل الشعر، إلى مالك لأشهر صالونات التجميل في الأردن.
فما هي تفاصيل قصته؟ وكيف كانت رحلته الريادية؟ تابع القراءة لتعرف أكثر.
البدايات: الهروب من المدرسة إلى عالم التجميل
تسأله سالي هنا عن صور النجاح التي تُنشَر له على السوشال ميديا، وتُعلِّق بأنَّ وراء كل قصة نجاح معاناة حقيقية، فكم كانت الرحلة صعبة؟ ليجيب منير بأنَّ الرحلة كان صعبة جدًا، والنجاح كله صعب. كان في البداية يتعامل مع النجاح على أنه "إيجار وليس ملكًا له"، ويشبِّه الأمر بالعيش في بيت إيجار، والعمل يوميًا لضمان البقاء فيه، والسعي كل يوم للحفاظ على هذا النجاح المؤقت بنظره.
سالي: "هذا يقودنا لبداية قصتك. أخبرنا عن قرار تركك للمدرسة؟" أجابها منير هنا بأنَّه لم يُحب الدراسة يومًا، ولم تكن تعجبه طرق التعليم التقليدية ولا معايير التقييم التي كان يفرضها الأساتذة. وعندما وصل للصف العاشر قرر ترك المدرسة، بينما هدفه الأساسي حينها التحرر من قيود المدرسة فقط، دون وجود أي خطة بديلة. كان مثالًا لفتى مراهق يبحث عن الحرية وتجربة الحياة دون قيود أو شروط.
في البداية لم تكن هناك رؤية واضحة للمستقبل الذي يطمح له، ولكن الصدفة قادته إلى عالم لم يكن يعرفه، عالم مختلف تمامًا أثار فضوله. عندما سألته سالي كيف دخل المهنة، أجاب بأنه فعل ذلك عن طريق الصدفة المحضة، حيث كان يثير المشاكل لأهله، فأرادوا إلحاقه بأي عمل خلال العطلة الصيفية لصقل شخصيته، وقد عرض أحد أصدقاء إخوته تعليمه الحرفة. يقول بإنه وجد الأمر غريبًا في البداية، فلم يكن يعرف أنَّ هناك شبابًا يعملون في صالونات السيدات، وفكرة العمل مع النساء كلها كانت غريبة.
يصف منير بداياته: "بديت بدورة قهوة وشاي وتنظيف، بعدين تعلمت التكنيس.. وآخر مرحلة بتوصل لغسيل الشعر".
استمر في غسيل الشعر لمدة خمس سنوات كاملة، كانت يداه تتألمان من المواد الكيميائية، لكنه لم يفقد الأمل. دخل منير هذا العالم فتىً مراهقًا، تفكيره منحصر في العمل مع "نساء وسيدات" فقط؛ لكن سرعان ما اكتشف أن هذه المهنة فيها تحديات وفرص لم يتخيلها يومًا، ليجد نفسه في عالمٍ مليئ بالإبداع والتحدي، ما دفعه لتغيير طريقة تفكيره بالكامل.
الانطلاقة الأولى: من غسيل الشعر إلى إدارة الصالونات
بعد خمس سنوات من العمل خلف مغاسل الشعر، وسنتين إضافيتين في تنظيف الصالون وتحضير القهوة والشاي، بل وحتى تنظيف منزل صاحب العمل عند استضافته للضيوف بعد الدوام، وصل منير إلى نقطة تحول. أدرك أنه استنفذ كل طاقاته في هذا المكان، وشعر بأنه لم يعد هناك مجال للتطور و النمو.
على الرغم من شعوره بالاستغلال، يظل منير ممتنًا لصاحب العمل الأول الذي تحمَّل شخصيته الصعبة وأتاح له فرصة التعلم، وكان له فضل عليه. بعد هذه المرحلة، اتخذ منير قرارًا جريئًا بالانتقال إلى صالون آخر، سعيًا لاكتشاف قدراته الحقيقية. كان يؤمن بأنه يمتلك المهارات اللازمة للوقوف خلف الكرسي وخدمة الزبائن بشكل متكامل. هنا تحولت نظرته للمهنة من مجرد عمل إلى شغفٍ حقيقي.
في تلك الأيام، كانت طرق العمل تقليدية جدًا، تفتقر للأساس العلمي، حيث يتذكر منير كيف كان بعض المعلمين يخفون أرقام الصبغات ويضعونها في جيوبهم لمنع الآخرين من التعلم. كانت الظروف صعبة مقارنةً بالوقت الحالي، حيث تنتشر الأكاديميات المتخصصة وتتوفر الدورات التدريبية داخل الأردن وخارجه.
بمساعدة صاحب عمله السابق، انتقل منير للعمل في صالون النخبة الذي كان يمتلكه أحد عمالقة المهنة وقتها، وكان أول صالون مُقام في فيلا في العاصمة الأردنية عمان. هنا انتقل من نظام الرواتب الثابتة إلى نظام الرواتب بالإضافة إلى العمولات، مِمَّا منحه فرصة حقيقية لإثبات ذاته. واجه منير تحدي اللغة الإنجليزية مع الزبائن الأجانب، حيث كان تعليمه الحكومي المحدود عائقًا أمام تواصله معهم. لكن إصراره على التطور دفعه لتلقي دعم غير متوقع من صاحب العمل الجديد، الذي شجعه على دراسة اللغة الإنجليزية في المعهد البريطاني دون خصم من راتبه أو عمولاته.
من خلال التفاعل مع زبائن من مستويات اجتماعية مختلفة، اكتسب منير مهارة الذكاء العاطفي ومهارات التواصل التي عوضته عن نقص الدعم المعنوي والمادي الذي كان يعانيه بسبب غياب العائلة. أصبح حافزه الأساسي وداعمه المعنوي الوحيد إنجازاته اليومية، مما ساعده على الاستمرار والتطور في مهنته.
هذه المرحلة شكلت أيضًا نقطة تحول مهمة جدًا في حياة منير المهنية، حيث انتقل من عامل بسيط إلى محترف تُطلَب خدماته بالاسم، وبدأت شخصيته المهنية تتشكل بشكل واضح، مِمَّا مَهَّد الطريق لرحلته نحو تأسيس إمبراطوريته الخاصة في عالم التجميل.
الانطلاقة الثانية: التحول من موظف إلى صاحب عمل
مع استقرار دخله المالي، بدأ منير يفكر في تحقيق حلمه بامتلاك سيارة خاصة، وقد كانت هوندا أكورد موديل 84 سيارته الأولى، وقد كانت هذه السيارة تمثل بالنسبة له علامة فارقة في مسيرته. مع تزايد ثقته بنفسه، بدأ منير يتصور إمكانية افتتاح صالونه الخاص. كان يدير عملياته مع الزبائن كما لو كان صاحب صالون مصغر ضمن الصالون الذي يعمل فيه، ليدرك حينها أنه يمتلك المهارات اللازمة لإدارة مشروعه الخاص، لكن التحدي الأكبر كان في توفير رأس المال اللازم.
بدأ حينها منير في البحث عن شريك مالي، وعرض الفكرة على بعض زبائنه المخلصين. وافقت إحدى الزبائن على الدخول معه في شراكة، وافتتحا معًا أول صالون له. لكن الشراكة لم تدم طويلًا، حيث انتهت بعد عامين بسبب اختلاف الرؤى حول إدارة المشروع.
كرَّر منير التجربة مع شريك آخر، لكن النتيجة كانت نفسها. أدرك أن طبيعة هذه المهنة تختلف عن أي عمل آخر، فهي تعتمد على العلاقة المباشرة مع الزبائن، وتتطلب فهمًا دقيقًا للتعامل مع الشركاء.
الانطلاقة الثالثة: تأسيس صالونه الخاص رغم التحديات
بعد فشل تجاربه في الشراكة، قرَّر منير الاعتماد على نفسه، وفتح صالونه الخاص وحده. باع سيارته الوحيدة بمبلغ 1500 دينار، وبدأ في البحث عن موقع مناسب. وجد مطعمًا مهجورًا في عبدون مساحته 200 متر، وافق صاحب المكان على تأجيره له مقابل كمبيالات، إذ لم يكن يملك دفعة أولى.
بدأ منير بتجهيز الصالون بشكل تدريجي، وأحضر أثاثًا من منزله الشخصي، واشترى أجهزة التكييف بالأقساط. بمساعدة أحد التجار الكبار الذي وثق به، حتى استطاع تجهيز الصالون بالكامل بنظام الأقساط. ومع ازدياد الإقبال على صالونه، اضطر منير لتوظيف 9 موظفين، وإنشاء نظام حجوزات متكامل. أصبح يسافر إلى أوروبا مرتين سنويًا لتلقي الدورات التدريبية في مجال الكيمياء والمبيعات، متجاوزًا بذلك كل التوقعات.
لم يكتفِ منير بمستوى النجاح الذي حققه، بل سعى للتميز والإبداع في مجاله، حيث أدرك أنَّ التميز هو السبيل الوحيد للاستمرارية في سوق مليء بالمُقلدين، فبدأ في تطوير أساليب عمل فريدة ومنتجات خاصة به.
اكتشاف نقاط الضعف والسعي نحو التميز
أدرك منير أنَّ نقطة الضعف الأساسية في مهنة التجميل تكمن في أنَّ معظم العاملين فيها يعملون بطريقة روتينية، يتعاملون مع جميع أنواع الشعر بالطريقة نفسها. لاحظ أن هذا يشبه خبراء المكياج الذين يستخدمون التقنيات نفسها لجميع الوجوه، مما لا يضمن نتائج متسقة أو مُرضية.
ونتيجة لذلك، سعى منير لتغيير هذه الصورة النمطية من خلال الاستثمار في تعليمه وتطوير مهاراته. التحق بعدة دورات تدريبية متخصصة في كيمياء الشعر، سواءً داخل الأردن أو خارجها، كما استفاد من الدورات التدريبية عبر الإنترنت. هذا العمق العلمي مَكَّنه من تطوير منتجات تجميل أردنية الأصل، ليكون هذا الإنجاز تميزًا يفتخر به.
انقطاع سبع سنوات واكتشاف الذات من جديد
واجه منير تحديًا كبيرًا عندما استشار أحد المشايخ بشأن حكم عمله في مجال التجميل، وذلك خلال زيارة له للمملكة العربية السعودية وأداء مناسك العمرة، وقد كانت فتوى الشيخ حينها أنَّ عمله ورزقه حرام، ونصحه بتغيير مهنته بالكامل. أدّى هذا الأمر إلى انقطاعه عن المهنة لمدة سبع سنوات كاملة، ليضطر حينها عرض صالونه للبيع، وعانى من صعوبات مادية كبيرة. في هذه السنوات السبع، اكتشف منير قيمًا جديدة في الحياة، وتعرَّف على معادن الناس من حوله، وتقرب من عائلته أكثر.
عندما وصل إلى حافة اليأس، أدرك أن الله لا يريد له العوز، فقرر العودة إلى مهنته بشغف أكبر وعقلية ناضجة. قرر منير العودة إلى العمل بكل قوة، ليفتتح صالونًا جديدًا في سيتي مول، مزودًا بأحدث التقنيات والمنتجات. حقق صالونه نجاحًا كبيرًا، مما مكنه من التوسع وفتح فروع جديدة.
كما انضم إلى شركة دولية كبيرة بوظيفة مدير إقليمي للتدريب، حيث ساهم في تطوير مهارات الكوادر في مجال التجميل، بالإضافة إلى مساهمته في إنتاج منتجات تجميل متخصصة للشعر، تُستخدَم في صالوناته التابعة لملكيته.
الخلاصة: كلمة أخيرة للشباب
يُوجِّه منير نصيحته للشباب بأن يستثمروا وقتهم في التعلم والتطوير، وأن يلتزموا بطموحاتهم ولا يستسلموا للفشل. كما ويؤكد أنَّ الالتزام والانضباط هما أساس النجاح، وأن على كل شخص السعي بكل ما أوتي من قوة لتحقيق أحلامه بثقة وإصرار.
أخيرًا، يعبر منير عن امتنانه لكل من سانده في رحلته، ويؤكد أن تجربته علمته ألَّا يُسلِّم عقله لأي شخص مرة أخرى، بل أن يثق بقدراته ويتخذ قراراته بنفسه.
وفي الختام، نود أن نذكركم بأنَّ قصة منير العيسوي ليست مجرد قصة نجاح تجاري، بل هي قصة إنسانية عن التحول والتحدي والإصرار، من فتى هارب من المدرسة إلى قائد في صناعة التجميل، وقد أثبت للمجتمع أن الشغف والعمل الجاد يُحدثا المعجزات.
لا تضيع وقتك.. الوقت من ذهب والعمر يمر سريعًا.. ابدأ واستمر ولا تتوقف حتى تصل!
الالتزام والانضباط أساس النجاح وتحقيق الطموحات.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.