أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / من ورشة صغيرة في دبي إلى إمبراطورية صناعية عالمية: قصة مراد حجاوي مع “باكفورت”

الحلقة 1: من ورشة صغيرة في دبي إلى إمبراطورية صناعية عالمية: قصة مراد حجاوي مع “باكفورت”

مراد حجاوي

مؤسس إمبراطورية صناعية @ باكفورت

الشاب الأردني مراد حجاوي، الذي تحوَّل من موظف في شركة عالمية إلى مؤسس إمبراطورية صناعية تحمل اسم "باكفورت" وتتواجد في قارات العالم المختلفة.

وراء كل نجاح لامع تُروى حكاية، ووراء كل شركة عالمية تقف رحلة شاقة. هذه ليست مجرد مقولة شعبية، بل هي الحقيقة التي تجسدها قصة الشاب الأردني مراد حجاوي، الذي تحوَّل من موظف في شركة عالمية إلى مؤسس إمبراطورية صناعية تحمل اسم "باكفورت" وتتواجد في قارات العالم المختلفة.

رحلته، التي استمرت عقدًا من الزمان، لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت مسيرة من التحديات والعثرات والدروس القاسية التي صقلت إرادة رجل لم يعرف المستحيل. رحلة مُلهمة بدأت من استوديو صغير في دبي قبل تسع سنوات، إلى مصانع منتشرة في عدة قارات بالعالم، يرويها لنا مراد في الحلقة الأولى من بودكاست "على سيرة شغل" مع سالي أبو علي.

لا يمكننا أن نحصر تعريفنا عن "مراد حجاوي" بمؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة "باكفورت" الصناعية؛ بل هو بطل لقصة رجل أعمال ناجح، أثبت لنا أنَّ الجرأة في لحظات اليأس قد تصنع المعجزات، وأنَّ كل طامح عليه أن يسعى بكل ما لديه من قوة ليتعلم بنفسه ويطور نفسه رغم كل التحديات والصعوبات.

قصة مراد تعلمنا أنَّ الطريق للنجاح لا يجب أن يكون خطيًا أو مخططًا له مسبقًا، وأنَّه قد يُبنى من رحم الصُّدف، والفشل، والاستعداد الدائم لالتقاط الفرصة عندما تأتي، حتى لو كانت تأتي في أقسى الظروف.  

"أليس كل ما يلمع ذهبًا"؟

تبدأ سالي حوارها مع مراد بهذا السؤال، والذي ردَّ بالإيجاب، حيث يرى إنَّ الذهب حتى يصبح ذهبًا يجب أن يتعرض لعدّة عوامل صعبة حتى يخرج لنا بالصورة الجميلة التي نراها، وهذا ما يعكسه في الحياة الواقعية لأي شخص ناجح في هذه الحياة، والتي لا بُدَّ أن يكون وراءها "قصة صعبة" وتحديات، حتى يصل الشخص لما وصل إليه.  

انطلاقة المسار وتشكل ملامح الشخصية المبكر

يصف مراد بأنه ابن عائلة "جميلة" كما يفضل أن يصفها، والده كان معلمًا لمادة الرياضيات، ووالدته معلمة للغة العربية، والتي أورثته حبها للغة والأدب، حتى إنه يكتب أحيانًا. درس مراد في المدارس الحكومية، وقضى جزءًا من طفولته في الإمارات العربية المتحدة بدبي، وعاد مع عائلته للأردن لاستكمال المرحلة الثانوية، ليتخرج من المدارس الحكومية في محافظة الزرقاء، وهي تجربة يعتز بها كونها شكلت جزءًا من شخصيته المتواضعة والقادرة على مواجهة الصعاب.

وعلى غير المتوقع، لم تكن لغته الإنجليزية ممتازة رغم أنه نشأ في دبي، ولكنه عمل على تطوير نفسه بنفسه، وكان مستواه في القراءة والكتابة جيدًا جدًا، ولكن ليس في المحادثة للأسف. ولذلك يذكر أن أول مقابلة عمل له كان فيها الكثير من المواقف المضحكة، لضعف إتقانه للغة الإنجليزية آنذاك.  

البدايات من تحت الصفر وصعود سريع في العراق

لم تكن مسيرته الأكاديمية ميسرة، فبعد تخرجه من تخصص الهندسة الكيميائية في العراق، وجد نفسه في مواجهة سوق العمل. تقدم لأول مقابلة عمل في حياته في واحدة من أكبر شركات الكيماويات في العالم، وكان من بين أكثر من 400 متقدم. بثقة متدنية ولغة إنجليزية لم يكن يتقن التحدث بها بطلاقة، خرج من المقابلة وهو يعتقد أنَّ فرصته في الحصول على الوظيفة ضئيلة. في بادئ الأمر، لم يتلقَّ أي اتصال منهم على مدار شهرين كاملين، ولم يفاجأه ذلك البتة.

لكن المفاجأة الحقيقية جاءت في أحد الأيام، حين أيقظته أمه من نومه في الثانية ظهرًا - فذلك الجيل لم يعرف الهواتف المحمولة بعد، وكان عاطلًا عن العمل، يستمتع بقيلولة طويلة، وقد أخبرته أن السيدة التي قابلها على الهاتف تطلبه. استغرب جدًا لاتصالها، وعندما سألته إن كان نائمًا، أجابها بصراحته المعهودة: "طبعًا، نايم. أنا عاطل عن العمل!" ردت عليه السيدة بطريقة غيَّرت مسار حياته تمامًا، لتخبره بأنه سيبدأ العمل الأحد المقبل.

غمرته مشاعر مختلطة في تلك اللحظة؛ فرحة غامرة بقبول الوظيفة، لكن صاحَبها شعورًا بالرهبة من الانتقال المفاجئ من طلب العمل إلى وظيفة في شركة عالمية ضخمة، دون أدنى خبرة سابقة في هذا المجال. انضم مراد للشركة، وبقي فيها تسع سنوات كاملة، وقد كانت أطول مدة قضاها في وظيفة واحدة. كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس؛ فعدد موظفي الشركة حول العالم يصل إلى 70 ألف موظف، وعمرها يتجاوز 130 عامًا. وقد كان لويس باستور (مخترع البسترة) موظفًا فيها، وهي الشركة التي سجلت براءات اختراع تاريخية مثل الأسبرين والباراسيتامول.

اكتسب خبرة هائلة، وكان يرى أن القدر ساق له فرصة ذهبية في ذلك العمر. لكن الفرصة وحدها لم تكن كافية. بدأ مسيرته في مكتب الأردن، حيث حاول الفريق هناك فتح سوق العراق دون نجاح. وقد استفاد من كونه خريج جامعات العراق ومعرفته بثقافة البلد، واقترح على إدارة الشركة دخول سوق العراق. أخذ إجازة على نفقته الخاصة، وسافر إلى بغداد لعشرة أيام. خلالها، تمكن من تحقيق بعض الصفقات الأولى للشركة هناك، بعد فشل الشركة في تحقيق ذلك من قبل.

أما النتيجة كانت مذهلة: بعد عودته مباشرة، طلبوا منه ترك جميع مهامه في الأردن، والانتقال للعراق حيث عُيّن هناك مديرًا للفرع (Country Manager). ومن أكثر ما لفت النظر في قصته هذه، أنَّ المنصب الذي حصل عليه كان يتطلب عادةً ما بين 15 إلى 20 عامًا من الخبرة داخل الشركة للوصول إليه. أما هو فقد حققه في غضون 5 إلى 7 أشهر فقط. كان نجاحًا مبهرًا، لكنه كان مزيجًا من التوفيق، والاستعداد لاغتنام الفرصة، والجرأة على دخول سوق صعب بينما الآخرون يترددون من وجهة نظره. يروي مراد قصة من أكثر الذكريات التي يحب تذكرها، تكليفه بمهمة تدريبية في باريس لمدة تسعة أيام، وقد كان السفر إلى أوروبا في تلك الفترة (ما بين عامي 1998 و1999) أمرًا غير اعتيادي ويعد امتيازًا كبيرًا لأي موظف.

ولكن المفاجأة الحقيقية كانت في حجم الدورة التدريبية نفسها ونوعيتها، فقد وجد نفسه بين 145 متدربًا يمثلون 145 جنسية مختلفة، وكان هو الأصغر سنًا بينهم جميعًا، حيث كان المتدرب الأقرب إليه سنًا يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، بينما كان الجميع يتمتعون بخبرات واسعة في المجال. واجه مراد تحديًا كبيرًا بسبب صعوبة اللغة والمصطلحات التقنية المتخصصة في مجال الكيماويات الإنشائية، خاصة وأن المحاضرين كانوا فرنسيين يستخدمون مترجمًا، مما زاد من تعقيد استيعاب المادة العلمية.

ولكن المفاجأة الأكبر جاءت في نهاية الدورة، عندما أعلن المدير عن إجراء امتحان مفاجئ لتقييم استفادة المتدربين، مع منح جوائز لأعلى ثلاث درجات. على الرغم من تشكيكه في إمكانية تفوقه بين هذا العدد الكبير من الخبراء المتخصصين، إلا أن النتائج جاءت مفاجئة للجميع. فقد احتل المركز الأول متدرب يوناني يدعى يانس، بينما جاء زميل مصري يدعى ألبير - وكان من أقدم الموظفين في الشركة - في المركز الثاني. لكن الصدمة كانت عندما أعلن المدير أن مراد حجاوي قد احتل المركز الثالث، وقد كانت النتيجة صادمة للجميع، كونه الأصغر عمرًا ويعمل في الشركة لفترة قصيرة جدًا!

هذه الحادثة علمت مراد درسًا مهمًا، ألا وهو أنَّ الثقة بالنفس هي مفتاح النجاح، وأنَّ الناس ليسوا بأذكياء أو أكفاء كما نتصورهم دائمًا، بل لكل شخص نقاط قوة ونقاط ضعف. الإيمان بالنفس والقدرات قد يقود إلى نتائج مبهرة تفوق كل التوقعات. هذه الخبرة المبكرة كانت تمهيدًا لتوليه مسؤولية السوق العراقي، حيث وجد نفسه فجأة وهو في الثالثة والعشرين من عمره يدير فرعًا لشركة عالمية، يسكن في فيلا من ثلاث طوابق مع سائق وطباخ خاص، ويتعامل مع وزراء وكبار المسؤولين في بلد كان يعاني من ظروف صعبة.

كانت هذه التجربة بمثابة أفضل تدريب ممكن على أسوأ بيئة عمل يمكن تخيلها، حيث يرى إنَّ التعامل مع الحكومة عميلًا مباشرًا ورئيسًا يعد من أصعب التحديات في عالم الأعمال، وقد علمته هذه التجربة الصبر والمثابرة وفنون التفاوض في بيئة شديدة التعقيد.  

الصدمة التي غيرت المسار وبداية الحلم

قضى مراد خمس سنوات في العراق، شكلت فيه الشخصية القيادية التي نعرفها اليوم، إلى أن اندلعت الحرب وغزو العراق عام 2003، مما اضطر الشركة لإغلاق المكتب هناك، ونقله إلى الرياض في السعودية. قضى مراد ما يقارب سنة وثلاثة أشهر تقريبًا في الرياض، حيث عُيّن مديرًا للفرع هناك، لكن هذه المرة بشكل مشترك مع شخص آخر. شعر مراد حينها وكأنه تراجع في مساره الوظيفي، مِمَّا أثَّر على حافزه واندفاعه للعمل. هنا أدرك مراد أنَّ النجاح المبكر والمناصب المرموقة ليست دائمًا نعمة، فالأفضل أن تأتي الترقيات تدريجيًا على مدى الحياة المهنية، بدلًا من الصعود السريع ثم الهبوط المفاجئ.

في هذه الفترة، تلقى مكالمة من مديره في دبي، الذي أخبره أن شركة كبرى ستستحوذ على شركتهم، وأنَّ 660 موظفًا في المنطقة معرضون لفقدان وظائفهم. هذه المكالمة كانت صدمة له، فقد شعر بعدم الأمان الوظيفي لأول مرة، ورغم عمله في واحدة من أفضل الشركات العالمية، أدرك أنه لا يوجد ضمان حقيقي للاستقرار الوظيفي حتى في أكبر الشركات. هذه اللحظة كانت نقطة التحول الحاسمة في حياة مراد، حيث قرَّر أن يفتح عمله الخاص، ليس بدافع الشغف بريادة الأعمال في البداية، بل بدافع الرغبة في السيطرة على مصيره. كما يقول: "أريد أن أكون مسيطرًا.. لا حد يروحني.. ولا حد يصحى الصبح.. ويقول لي مع السلامة". لم تكن هناك خطة مفصلة أو استراتيجية مدروسة، مجرد رغبة جامحة في التغيير.

بالصدفة، شاهد إعلانًا عن مؤتمر في البحرين حول إعادة إعمار العراق، فقرر حضوره، ليجد نفسه هناك يناقش كبار رجال الأعمال، ويشاركهم آراءه وأفكاره بثقة.   من هذه التجربة، استخلص مراد درسًا مهمًا: "ليس من الضروري أن تكون لديك خطة مفصلة من البداية، ولكن يجب أن تكون لديك نية قوية. النية تجعلك تبحث عن الخطة بشكل لا شعوري". كما أدرك أن "الخطط لا توضع لتُنَفَّذ بحذافيرها، بل توضع لتُعدَّل. لا توجد خطة طويلة المدى لا تتغير، حتى الأهداف نفسها تتغير مع الوقت". هذا الدافع الجديد جعله يستمر في البحث عن الفرص، إلى أن جاءته فرصة من صديق، كانت بداية رحلة جديدة في عالم ريادة الأعمال.  

العودة لنقطة البداية.. من الصفر مرة أخرى

بعد هذه المحطة، انضم مراد لشركة جديدة، لكنه ظل يبحث عن فرصته الخاصة. وجاءته الفرصة عندما عرض عليه منتج أسترالي مبتكر لبراءة اختراع في مجال السيارات، فقرر الدخول في شراكة مع صديق سعودي لتأسيس شركة لتسويق هذا المنتج، مع الاحتفاظ بوظيفته الأساسية. كانت هذه أول محاولة جادة لمراد في عالم ريادة الأعمال، لكنها انتهت بالإغلاق كما هو الحال مع العديد من الشركات الناشئة الأولى. يعترف مراد بأن قلة الخبرة والتراكم المعرفي كانا عاملًا رئيسًا، بالإضافة إلى تزامن المشروع مع الأزمة المالية العالمية عام 2008. وجد مراد نفسه في موقف صعب، حيث وصل إلى حد عدم القدرة على دفع إيجار منزله أو حتى تعبئة وقود سيارته.

على الرغم من إحباطه، كان يحاول الحفاظ على مظهره الخارجي، حيث واصل الخروج مع أصدقائه والقراءة، لكنه كان يعاني داخليًا من الاكتئاب والإحباط. وفي لحظة مصيرية، أثناء حضوره إفطارًا رمضانيًا دعاه إليه صديق، جلس بجوار شخص اجتماعي متحدث، سأله عن طبيعة عمله. رد مراد بمزحة: "والله أنا خبير دراسات جدوى"، فكانت المفاجأة أن هذا الشخص هو المدير التجاري لأحد أكبر شركات الاستثمار في دبي. أمضى مراد ثلاثة أسابيع يعمل ليلًا نهارًا على إعداد دراسة جدوى مفصلة لمشروع تقني متقدم في مجال تكنولوجيا المياه، وقدمها للشركة التي أبدت إعجابها الشديد ووافقت على تمويل المشروع بمبلغ 25-30 مليون دولار، مع وعده بنسبة من المشروع ومنصب المدير التنفيذي.

لكن الصفقة انهارت فجأة في اليوم التالي للاحتفال الذي أقامه مراد بعد أن اقترض المال لإقامته، حيث اتصل به الشريك وأخبره عن مشكلة قانونية لأحد أعضاء مجلس الإدارة أدت إلى تجميد جميع المشاريع. هذه الصفقة الفاشلة علمت مراد درسًا قاسيًا في الثقة المفرطة والتحقق من الحقائق، لكنها أيضًا عززت ثقته في حدسه الذي كان يشكك في الصفقة منذ البداية. لم ييأس. باع سيارته وأغراضه، واشترى تذكرة ذهاب بلا عودة إلى الأردن. قرر العودة للبدء من جديد في مجال يعرفه جيدًا: الكيماويات. خطته كانت بسيطة: فتح مكتب صغير، والاتفاق مع شركات عالمية لتمثيلها في المنطقة مقابل عمولة، دون الحاجة لرأس مال كبير.

الاختبار الحقيقي: بين اليأس والفرصة التي غيرت كل شيء

في لحظة تبدو وكأنها من نسج الخيال، بينما كان مراد جالسًا على أرضية منزله الفارغ، تلقى اتصالًا غير متوقع من إحدى شركات التوظيف، وقد أخبرته الموظفة على الهاتف أن رئيسًا تنفيذيًا لإحدى الشركات الفنلندية يريد مقابلته على وجه السرعة. على الرغم من أن رحلة سفر إلى عمان كانت مجدولة في اليوم التالي، وافق مراد على المقابلة في نفس اليوم. كانت التكنولوجيا التي طرحها الرجل الفنلندي غريبة ومعقدة، ولم يكن لمراد أي خبرة سابقة فيها. لكن الرجل أوضح أنه يبحث عن شخص لديه خبرة إقليمية وعلاقات مهمة في السوق الصناعي في منطقة الشرق الأوسط، أما المعضلة فكانت أنَّ الراتب المرصود للوظيفة أقل من نصف الراتب الأخير الذي تقاضاه مراد.

في تلك اللحظة، مر مراد بأزمة نفسية حادة. كان يعاني من البطالة والديون لعدة أشهر، لكنه شعر أن قبوله براتب أقل سيكون تنازلًا عن قيمته في السوق. برغم كل الظروف الصعبة، قال "لا" بكل شجاعة. وفي منعطف مصيري، اتصل به المدير الفنلندي مرة أخرى وهو في طريقه إلى المطار، وعرض عليه مقابلة أخيرة. في طريقه إلى المطار، خطرت لمراد فكرة مذهلة: اقترح إنشاء المكتب الإقليمي في عمان بدلًا من دبي، حيث سيكون الراتب المعروض مناسبًا لمستوى المعيشة هناك، كما اقترح مشاركة التكاليف المكتبية مع شركته الكيماوية الناشئة. قبل المدير الفنلندي بهذا الحل المبتكر على الفور، وفي غضون ساعة واحدة، بينما كان مراد في طريقه إلى المطار، تلقى عرض عمل رسميًا بالبريد الإلكتروني، يتضمن راتبًا جيدًا وتغطية لنصف مصاريف مكتبه الجديد.

هذه الاتفاقية المبتكرة غيَّرت حياة مراد بين لحظة وأخرى، ووفرت له الأساس المالي والمعنوي لبدء مشروعه الخاص في مجال الكيماويات، ووضعت اللبنات الأولى لرحلته نحو تأسيس "باكفورت" لاحقًا. كانت هذه المحطة في عاميْ 2010-2012 نقطة تحول حقيقية في رحلته الرياديَّة؛ ليزداد إيمانه بأنَّ الأفكار المبتكرة قد تحول أصعب المواقف لفرص غير متوقعة.

عاد مراد إلى الأردن، وقضى سنة كاملة في منزل أهله، يعمل ليلًا نهارًا على تطوير فكرة تقنية جديدة مستوحاة من خبراته السابقة. كان التركيز على مجال "هندسة المواد المركبة" (Composite Materials). خلال هذه السنة، بنى نموذج عمل محكمًا (Business Model)، وسجل أول براءة اختراع باسمه. بعدها، وجد الشريك المالي المناسب، الذي اقتنع بالفكرة وجدواها الاقتصادية. أسسا معًا شركة "باكفورت" بشكل متواضع في دبي، بدءًا من مستودع صغير بمساحة 250 مترًا مربعًا، ثم توسعا إلى 500 متر. كان فريق العمل الأول يتكون من ثلاثة أشخاص فقط: مراد، وموظفة تدعى "روز" ما زالت معه حتى اليوم، وزميل آخر.

كانت وتيرة النجاح سريعة ومذهلة، ونجح المنتج في فرض وجوده في السوق، وسرعان ما توسعت الشركة لتبني أول مصنع لها في الإمارات بمساحة 6000 متر مربع، يعمل فيه 54 موظفًا اليوم. ثم جاء التوسع الثاني في الرياض بعد سنة وأربعة أشهر.

العالمية: الانتقال إلى أوروبا والعالم

أما المصنع الثالث، فقد افتُتح في ألمانيا، مع حصولهم على دعوة مباشرة من واحدة من أهم الشركات العالمية "سيمنز"، والتي طلبت منهم افتتاح مصنع قريب من شركتهم؛ لتصبح باكفورت اليوم موردًا رئيسًا لأكبر العلامات التجارية العالمية (مثل: BMW، وبورش، وفيراري، وغيرها)، بالإضافة لفايزر التي اعتمدت منتجات باكفورت في توزيع مطعومها حول العالم.  كما وتوسعت الشركة لافتتاح مقرات لها في سويسرا وتركيا، وتخطط أيضًا لإنشاء مقرات في إندونيسيا والمكسيك، وذلك بعد دخول أحد أهم المستثمرين الأمريكيين في الشركة.

الخاتمة: النجاح ليس وُجهة، بل رحلة من التعلُّم المستمر

رحلة مراد لم تكن مجرد قصة نجاح عادية؛ بل رحلة تعلم وإنسانية، وأثبتت لنا أن السيرة الذاتية المليئة بالمنعطفات ومحطات الفشل قد تكون أقوى من أي مؤهل أكاديمي. مفتاح النجاح لم يكن شهادة من جامعة مرموقة، بل شغفه تجاه التعلم الذاتي، وجرأته على اقتحام المجهولة، وإيمانه بذاته وثقته بنفسه حتى في أسوأ لحظات اليأس.

ليس من الضروري أن تكون لديك خطة مفصلة من البداية

النجاح ليس وُجهة، بل رحلة من التعلُّم المستمر

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.