أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / من الصيدلة إلى إنقاذ الأرواح، رحلة بين التحدي والأمل

الحلقة 4: من الصيدلة إلى إنقاذ الأرواح، رحلة بين التحدي والأمل

ريم عجلوني

مديرة تنفيذية @ البرنامج الوطني لسرطان الثدي

بدأت مسيرتها من مقاعد الصيدلة، متنقلة بين القطاع الطبي والإنساني، قبل أن تخوض معركتها الخاصة مع سرطان الثدي وتحوّله إلى مصدر قوة وإلهام. اليوم تقود جهودًا وطنية لإنقاذ الأرواح وتعزيز الوعي، مؤمنة بأن الشجاعة، التعلّم المستمر، والتعاطف الإنساني هي أعمدة النجاح الحقيقي.

تخيَّل للحظة أن تكون في قمة نجاحك المهني.. كل شيء يسير كما خططت له، ثم فجأة يقف القدر على بابك حاملًا معه اختبارًا يَصعُب على الكثيرين مجرَّد تخيله. هذه ليست بداية فيلم درامي، بل هي اللحظة التي بدأت منها القصة الحقيقية لضيفتنا في هذه الحلقة. في الحلقة الرابعة من بودكاست "على سيرة شغل"، نكسر الكثير من القوالب النمطية للنجاح، ونغوص في أعماق رحلةٍ إنسانيّةٍ تلمس أعماقكم. رحلة امرأة لم يكتفِ قلبها النابض بأن ينبض بالحياة؛ بل أراد أن ينبض بالأمل لكل من حولها.

ضيفتنا هي الدكتورة الصيدلانية ريم عجلوني "المديرة التنفيذية للبرنامج الوطني لسرطان الثدي"، لكنها قبل كل هذا: أم، وزوجة، وابنة، وناجية لا تعرف المستحيل. لم تكن قراراتها في الوظائف التي شغلتها مجرَّد خيارات، وإنما فلسفة حياة.

في حوار هذه الحلقة تسرد لنا د. ريم قصتها بتفاصيلها الدقيقة، وكيف بدأت رحلتها من الصيدلة لتصل إلى قيادة برنامج وطني أردني ذي أثر في حياة الناس، وكيف تحدَّت المرض وحولته لمصدر قوة، وكيف تحولت لحظات الضعف والألم إلى نقاط قوة وإرادة، وأخيرًا تتحدث عن دور العائلة والأمومة في رحلة نجاحها، وتختتمها بنصيحتها الذهبية لكل من يقف على مفترق طرق من التحديات المهنية والشخصية.

كل هذا وأكثر ستجده في مقالنا، فتابع القراءة؛ ولكن قبل أن تبدأ ضع "التحدي" الذي تواجهه في حياتك الآن نصب عينيك، وفكر كيف ستغير مسار حياتك من خلال استلهامك لهذه القصة.  

البداية: البذرة الأولى… حيث تبدأ المُجازفة

لم تكن ريم عجلوني يومًا منضبطةً بالقوالب النمطية. منذ صغرها، كانت روحها التوَّاقة للتجربة والمغامرة هي من يقودها. في قرارٍ أدهش الجميع حولها، قرَّرت الانتقال من التعليم الخاص إلى الحكومي، متحديةً التوقعات التقليدية التي تسعى للأفضل ماديًا. سألتها سالي: "كيف تقبل أبوك هذه الفكرة؟"

لترد: "أنا بحب أجرّب.. أنا ما بخاف من التجربة، ما بخاف من أي شي ممكن يكون جديد.. هاد الشي من وأنا صغيرة…"، بهذه العبارة لخَّصت ريم طريقة تفكيرها. كانت تؤمن بأن الخروج من منطقة الراحة (Comfort Zone) هو السبيل الوحيد للنمو. بدعم من والدها المستمع والمتفهم، انتقلت إلى مدرسة الشاملة، ولم تندم على تلك الخطوة يومًا، بل تفوقت في التوجيهي، حاصلة على معدلٍ عالٍ يؤهلها لدراسة تخصص الهندسة، ولكنها آثرت اختيار تخصص "الصيدلة"، كونها تفضل العمل في القطاع الصحي، متجاهلة جميع الانتقادات التي وُجهت لها على التخصص، حيث يحصره البعض بوصف "بياع أدوية".

تقول: "دايمًا الواحد رح يسمع انتقاد من الناس شو ما كان خياره، وشو ما كان قراره بالحياة.. لكن أنا أصّريت ومشيت بمجالي..". اختارت ريم شغفها وحدسها، وبدأت رحلتها في القطاع الطبي.

الاختيار غير التقليدي.. وفي قلب العاصفة

بعد التخرج، دخلت ريم سوق العمل صيدلانية في جمعية العون الصحي الاردنية الدولية، مسؤولة عن الصيدلية الأساسية وسلسلة التزويد. هنا، تظهر أولى دروسها الذهبية للشباب، حيث تنصح الشباب بقولها: " لا تتطلع وأنت في بداية حياتك أنا شو وصفي الوظيفي وأنا شو عندي وظايف، وشو بدي أعمل وشو ما بدي أعمل. إنت فايت على عالم جديد وبدك تتعلم، كل ما تعلمت أكثر، كل ما صار عندك مهارات أكثر، كلما ما آمنوا فيك الناس أكثر...".

الأهم من ذلك، أنها لم تحصر نفسها في مهام وصفها الوظيفي، وتطوعت أيضًا للتعلم والعمل في كتابة المقترحات والمشاريع، مما وسع من مهاراتها دون انتظار مقابل مادي. لقد استثمرت في نفسها، مؤمنة بأن المعرفة المجانية التي تكتسبها بوقتها هي استثمار لا يقدر بثمن؛ وقد كانت تلك المهارات الإضافية هي البوابة الذهبية التي قادتها إلى عالم أوسع.

بعد فترة توقف قصيرة بسبب ولادة ابنتها، عادت ريم إلى سوق العمل، ولكن هذه المرة إلى وظيفة في شركة تأمين. على الرغم من أنها كانت مرتبطة بمجال الصيدلة (الموافقات الطبية)، إلا أنها شعرت بأنها "ليست هي". هذا الشعور بـ "أن هذا ليس مكاني" هو جرس إنذار للكثيرين، لكن قلة فقط من يمتلكون الشجاعة للاستماع إليه والتصرف بناءً عليه. هذه اللحظة من الوعي الذاتي كانت المنعطف وبداية النقلة النوعية.  

النقلة النوعية: من الصيدلة إلى العمل الإنساني والإداري

قررت ريم المغادرة مرة أخرى، وهذه المرة نحو المجهول. في ذروة الأزمة السورية وبداية موجات اللجوء، وجدت ضالتها. تقدمت لوظيفة صيدلانية في منظمة "أطباء العالم" التي كانت تفتح عيادات في إربد ومخيم الزعتري. ولكن خلال المقابلة، حدث شيء غير متوقع. أسئلة المدير، "ماريوس"، خرجت عن نطاق الصيدلة إلى الصحة العامة وإدارة المشاريع. بفضل قراءاتها المستمرة وخلفيتها الذاتية، استطاعت الإجابة. في اليوم التالي، رفضوا توظيفها كصيدلانية، ولكنهم عرضوا عليها منصب "نائب المدير الطبي".

كانت هذه هي النقلة النوعية الأولى التي قفزت بها من الإطار الفني الضيق إلى الإطار الإداري والإنساني الواسع. بقوة الشخصية والعنفوان الأردني، طلبت مهلة للتفكير، لكن قلبها كان يعلم أنها أمام الفرصة التي ستغير مسارها. هذه النقلة علمتها أن التعلم المستمر خارج أوقات العمل، والقراءة، والاستعداد للتحديات، هي التي تصنع الفرص حتى قبل أن تأتي.

في هذا العمل، تعلّمت مهارات إدارة الفرق، والتواصل مع الممولين، وكتابة المقترحات، والعمل الميداني اليومي في عيادات إربد، والمفرق، ومخيم الزعتري. من هناك، انتقلت إلى منظمة اليونيسيف، حيث طورت مهاراتها الدبلوماسية والتعامل مع شركاء التنفيذ في بيئة عمل دولية داعمة للمرأة.

ثم جاءت النقلة الأكبر إلى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، حيث عملت في إدارة مشاريع الصحة والسكان. سألتها سالي: "كيف تميزين نفسك وسط تنافس شديد على هذه الوظائف وأنتِ لا تملكين الخبرة الكاملة؟". أجابت ريم بأن سرها كان في الاستعداد المطلق. قرأت كل شيء عن مشاريع USAID في الأردن، ودرست كما تدرس لامتحان التوجيهي، حتى حصلت على أعلى الدرجات في الامتحانات التحريرية.

أما نصيحتها التي وجهتها للجمهور حينها، حيث تقول: "كون نفسك. لا تمثّل دور إنسان آخر. كون واثق بنفسك، ومحضّر حالك.. وإنت هيك شخصيتك.. بيّن حالك زي ما إنت..".

هذه المحطة في حياة ريم تُعلمنا:

  1. أهمية الاستعداد الدائم: لم تكن تعلم أن أسئلة المقابلة ستخرج عن تخصصها، ولكن معرفتها العامة هي التي أنقذتها.
  2. الثقة في اللحظة الحاسمة: لو لم تكن واثقة من قدراتها، لرفضت الخوض في امتحان بعيد عن تخصصها.
  3. الفرص قد تأتي بطرق غير متوقعة: عدم حصولها على وظيفة الصيدلية، كان البوابة لقبول أفضل في منصب قيادي.

التحدي الأكبر: الأمومة والطموح والموازنة بينهما

خلال هذه الرحلة الصاعدة، كانت ريم أمًا، وعندما سألتها سالي عن سر توفيقها وموازنتها ما بين طموحها وأمومتها، أكدت ريم على أهمية وجود إدارة داعمة وسياسات صديقة للأسرة في المنظمات الدولية، ولكن الدعم الحقيقي جاء من العائلة، حيث إنَّ أمها ساعدتها كثيرًا في تربية ابنتها، وكذلك زوجها "د. ينال" كان داعمًا أيضًا، ومؤمنًا بها وبنجاحها.

المحطة الأكثر تأثيرًا: المواجهة الشخصية.. عندما يصبح القائد مريضًا

في ذروة نجاحها المهني، وبينما هي أم لطفلين، واجهت ريم اختبارًا وجوديًا شخصيًا، ألا وهو تشخيصها بمرض سرطان الثدي، والذي كان صادمًا خاصة في عمرها الصغير. لكن عقليتها القتالية وطبيعتها التي لا تعرف الاستسلام، تقبلت الخبر بمنطق المحارب، ووقفت في وجه الصدمة.

تقول: "السرطان مش إشي عادي.. ولكن أنت بتقدر إنَّك تتأقلم عليه، والسرطان لا يعني الموت. مش لإنه أنا هلأ بهاد المجال، وهو فعلًا لا يعني الموت، ولكن يعني الإنسان بده يتقبل. كتير منا بمر بصعاب، في ناس بتمرض، وناس بتترك شغلها. يعني الصعاب الي نحنا منواجهها كبشر مختلفة، ولكن بالآخر الحل هو التقبل، وإنك تواجه هذا الموضوع وتسعى للحل، وهاد الشي الي صار."

في غضون يومين، اتخذت قرارها بالقتال والبدء بالعلاج من أجل أطفالها، وزوجها، وعائلتها، وعملها الذي تحبه. أخبرت مديرها الأمريكي في USAID، فوجدت منه دعمًا غير متوقع، وقد قدَّم لها كل الخيارات المرنة، لكنها اختارت أن تتكيف مع العلاج والعمل في الوقت نفسه. كانت تذهب لجلسات الكيماوي مساء كل أربعاء، وتأخذ إجازة أيام الخميس والجمعة والسبت لتعود للعمل يوم الأحد. حافظت على نفس مستوى أدائها، مدعومة بإرادة فولاذية، ولم تسمح له بأن يُعطِّل مسيرتها المهنية.

تُقدِّم هذه التجربة الناجحة والمميزة رسالة قوية لأصحاب العمل والمدراء:

  • التعامل الإنساني هو استثمار: دعم الموظف في أزمته يولد ولاءً وإنتاجية غير عادية.
  • المرض ليس نهاية المطاف: الكثير من المرضى قادرون على العمل والإبداع إذا وجدوا البيئة الداعمة.
  • دور القائد الحقيقي يتجلى في أقسى الظروف.

ومما يجدر ذكره أيضًا وتسليط الضوء عليه، الدور المحوري لزوجها الدكتور ينال، والذي كان شريكًا وداعمًا أساسيًا، وسندًا في أحلك الأوقات وأصعبها، ليعينها على سرعة تعافيها وتخطي الأزمة.

القرار المصيري: قيادة البرنامج الوطني لسرطان الثدي

بعد تعافيها، وبدعمٍ من شبكة علاقاتها وخبراتها المتميزة، سمعت من فريق مركز الحسين للسرطان عن شاغر لوظيفة مدير البرنامج الوطني لسرطان الثدي. شعرت أن هذه الرسالة لها تحديدًا، فقدمت للوظيفة، رغم أنها لم تكن تملك الخبرة المباشرة في مكافحة السرطان؛ إلا أن خبرتها في إدارة المشاريع الصحية والسياسات العامة، بالإضافة إلى تجربتها الشخصية العميقة، جعلتها المرشحة المثالية.

تقدمت واجتازت الامتحانات والمقابلات بثقة، لتحصل على الوظيفة التي تجمع بين شغفها المهني وقضيتها الشخصية. اليوم، هي ليست مجرد "مديرة"، بل هي وجه الأمل لآلاف السيدات. تقود جهود التوعية، والكشف المبكر، وتقديم الدعم للمريضات، خاصة الأمهات المعيلات، مستخدمة قصتها جسرًا للتواصل والثقة.  

الخلاصة: ليست هناك وصفة سحرية للنجاح

تشدد د. ريم على فكرة أنَّه لا توجد وصفة سحرية للنجاح، وأن كل خطوة تبذلها في سبيل حياتك المهنية ستكون خطوة إضافية نحو الهدف. وتنصح الشباب بأن يؤمنوا بأنفسهم، وأن يسعوا للتعلم وتطوير الذات، وأن يتحلوا بالمرونة والصبر، وبناء شبكة علاقات مميزة.

ريم عجلوني هي قصة إرادة، وتعلم مستمر، وشغف لخدمة المجتمع. هي نموذج ناجح وقدوة مهنية تذكرنا بأنَّ النجاح المهني لا ينفصل عن إنسانيتنا، وأن أعظم قيادة هي تلك التي تولد من رحم المعاناة لتصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.

لا تتطلع وأنت في بداية حياتك شو وصفك الوظيفي وشو بدك تعمل وما بدك تعمل… كل ما تعلمت أكثر، كل ما صار عندك مهارات أكثر.

السرطان لا يعني الموت… الإنسان بده يتقبّل ويواجه ويسعى للحل.

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.