لا يوجد نجاح يأتي صدفة… النجاح حصيلة سنوات من التحدي والإصرار والتضحيات.
وليد أبو العز
مؤسس ومدير عام @ شركة أورلو وأطلس لصناعة الأثاث
بدأ مسيرته من مخبز عائلي بسيط، ليشق طريقه عبر العمل الشاق، والإصرار على التعلم، والتدرج في كبرى الشركات الإقليمية. واليوم يقود وليد منظومات أعمال ناجحة، بعد رحلة مُلهمة أثبتت أنَّ التضحية، والثقة بالنفس، وبرّ الوالدين يمكن أن تصنع مستقبلًا استثنائيًا لا يشبه نقطة البداية.
في بودكاست "على سيرة شغل" مع سالي أبو علي نستمع لسير الناجحين، ونتعلَّم من شغفهم وإصرارهم لتحقيق طموحات ونجاحاتٍ تستحق أن تُروى. أما ضيف الحلقة الثالثة فهو بطل لقصة مُلهمة تثبت لنا أنَّ النجاح ليس وليد الصُدفة، وإنما نتيجة سنوات من التحدي والإصرار والتضحيات. وليد أبو العز، مؤسس شركة "أولورو للاستشارات الإدارية" ومدير عام شركة "أطلس لصناعة الأثاث"، يروي لـسالي أبو علي في هذه الحلقة تفاصيل رحلته التي بدأت من فرن صغير في شفا بدران، وصولًا إلى مناصب قيادية في كبرى الشركات العالمية.
قصتنا اليوم ليست مجرد قصة نجاح تقليدية؛ بل هي رسالة أمل لكل شاب يعيش ظروفًا صعبة، ويحلم بمستقبل أفضل. فكيف كانت بداياته؟ وكيف استطاع أن يوازن بين واجبه تجاه عائلته وطموحه الشخصي؟
تابع قراءة ملخص الحلقة، لتعرف الكثير من الأسرار عن نموذج أثبت لنا أن "ليس كل ما يلمع ذهبًا"، وأن الذهب الحقيقي يحتاج لتنقيب وتعب وكد حتى يصبح بين يديْك حقيقةً وواقعًا.
من هو وليد أبو العز؟ ابن الحارة الذي لم تنل منه الظروف
"وليد أبو العز هو شخص بسيط، ابن الجيران.. ابن الحارة". بهذه الكلمات البسيطة بدأ وليد حديثه، ليُعرِّفنا بنفسه بعيدًا عن الألقاب والمناصب. وُلد في الكويت عام 1978، وعاش فيها 12 عامًا قبل أن تعود عائلته إلى الأردن بعد حرب الخليج الأولى في التسعينيات. كانت العودة "صدمة" اجتماعية واقتصادية، كما يصفها، حيث انتقلت العائلة من حياة مريحة إلى واقعٍ جديدٍ مليء بالتحديات المادية. في الأردن، كانت البداية صعبةً على المستويين المادي والاجتماعي. وقد التحق وليد بالمدارس الحكومية، ولكن انقلبت الحياة رأسًا على عقب عندما مرت العائلة بأزمة مالية طاحنة، جعلت كل فرد فيها يُساهم في تحمُّل المسؤولية.
البدايات القاسية: الخبز واللحوم وأول درس في المسؤولية
"كنت أَقَطِّع خِرفان ولحمة.. ماسك المحل يعني… وأنزل البضاعة وأدفع للموردين..." في عمر الـ13، كان وليد يقف في ملحمة العائلة لبيع اللحوم المجمدة. لم تكن وظيفة، بل كانت واجبًا تجاه عائلته، وهو واجب لم يُنكره أو يتذمر منه؛ بل قبله بتفانٍ وإيمان. ثم انتقلت العائلة من منطقة الرصيفة إلى شفا بدران في عمان، حيث افتتحت مخبزًا صغيرًا أصبح مصدر الدخل الوحيد لهم. يقول: "ما في عرس بشفا بدران إلا أنا خبزتله الشراك.."
التوجيهي والاختيار الصعب: العائلة أم حلم الطب البشري!
كان يومه يبدأ قبل الفجر في المخبز، بين العَجْن والخَبْز وتجهيز الطلبات، ثم يذهب إلى المدرسة. كان طالبًا متفوقًا، وحصد المرتبة الأولى على مدرسته في الصف العاشر، لكنَّ الظروف أجبرته على الموازنة بين العمل والدراسة. رَغْم عَمَلِه الشاق، حافظ وليد على تفوُّقه الدراسي، وكان يحلم بدراسة الطب البشري، ليس طمعًا في المال، بل رغبةً في مساعدة الناس.
ولكن ضغوط العمل والمسؤوليات العائلية قلّلت من وقت الدراسة، فحصل على معدل 82.1 في التوجيهي العلمي، وهو معدلٌ جيد، لكنه لم يكن كافيًا لتحقيق حلمه في دراسة الطب في الأردن. حصل على قبولات في جامعات خارج الأردن، لكن عدم توفُّر المال منعه من السفر. فَضَّل البقاء بجانب عائلته وأداء واجبه تجاههم، ليعمل -في الوقت نفسه- في المخبز وفي مكتبةٍ بالجامعة الأردنية حيث كان يُعد الشاي والقهوة، وينسخ الأوراق ويصورها.
الانطلاق: أول فرصة في السعودية و دروس في التواضع
نجح وليد في جمع 1000 دينار بعد جهد كبير، وهو مبلغ ليس قليلًا في تلك الفترة، والتحق بالجامعة التطبيقية "تخصص سمع ونطق"، وأكمل فيها فصلًا واحدًا فقط، ليجد نفسه عاجزًا عن دفع رسوم الفصل الثاني. في ذلك الوقت قَدَّم على وظيفة في "بيتزا هت" في الأردن على أمل العمل لفصل الصيف فقط، وجمع مبلغ جديد لأقساط الجامعة، لكنَّ المفاجأة كانت أن الوظيفة المتاحة في السعودية، وقد كانت الوظيفة التي قُبل فيها نادلًا (Waiter).
تسأله سالي في الحلقة: تركت الجامعة عشان تشتغل Waiter في السعودية؟ ليجيب: "صحيح في السعودية... في دخل مؤمن ممكن أساعد فيه العيلة".. في "بيتزا هت"، تَميَّز وليد بفضل إتقانه للغة الإنجليزية (التي تعلمها في المدارس الخاصة بالكويت)، وقد قدمت لهم الشركة آنذاك دورة تدريبية، حصل بعدها على ترقية من وظيفته كنادل، إلى مُوقّع طلبات (Dispatcher)، ثم إلى مشرف. بعد عام، عاد وليد إلى الأردن للعمل في مخبز العائلة مرة أخرة، لكنَّ الفرص كانت لا تزال محدودة.
نقطة التحوُّل: من نادل في "بيتزا هت" إلى مدير مالي في "الحُكير"
كانت نقطة التحول في مسيرته المهنية عندما تواصلت معه شركة "الحكير" السعودية (إحدى أكبر مجموعات التجزئة في الشرق الأوسط)، وعرضت عليه العمل في مجال المبيعات. في البداية رفض العرض بسبب ضآلة الراتب، لكنهم أصرّوا وقدموا له عرضًا أفضل. يقول: "بدأت معهم بياع.. خلال 6 أشهر صرت مسؤولًا عن الاستيراد والتصدير!" لم يكن يحمل أي شهادة جامعية، لكن تميزه واجتهاده بالتعلم جعلاه يترقى بسرعة مذهلة: من البيع إلى الكاشير، ثم إلى مشرف على الكاشيرات، ثم إلى مدرب للموظفين الجدد.
وقد استطاع حينها تنفيذ أمر استثنائي وغير مسبوق: أعدَّ أول كتيب تدريبي (هاند بوك) لنظام "زارا" باللغتين العربية والإنجليزية، مما لفت أنظار الإدارة العليا إليه. خلال ستة أشهر فقط، أصبح مسؤولًا عن قسم الاستيراد والتصدير والاتصالات للعلامات التجارية التي تتعامل معها "الحكير"، وأصبح يدير مخزون 350 متجرًا لـ 45 ماركة عالمية.
إدارة قسم المالية والمحاسبة دون شهادة!
الأمر الأكثر إثارةً للدهشة أنَّ الرئيس التنفيذي المالي للشركة (CFO) تواصل مع وليد -دون أن يلتقيه من قبل-، وعرض عليه الانتقال إلى قسم المحاسبة والمالية، رغم عدم حصول وليد على أي شهادة في هذا المجال! وافق وليد على التحدي، وبدأ يتعلم المحاسبة من الصفر، يسأل الزملاء ويكتب الدفاتر ويجتهد. خلال ثلاث سنوات، أصبح رئيسًا للقسم المالي، يتعامل مع كبرى العلامات العالمية، ويسافر إلى أوروبا للتوقيع على الاتفاقيات.
أعظم هدية: المنحة الدراسية واختبار الإنسانية
بعد أن أصبح رئيسًا للقسم المالي، متفوقًا على محاسبين يحملون شهادات جامعية. قدَّم له مُلَّاك الشركة (المهندس سلمان الحكير والدكتور عبد المجيد الحكير) هدية غير متوقعة تقديرًا لمجهوده: منحة كاملة للدراسة في أي جامعة في العالم وأي تخصص يريده، دون شرط العودة للعمل لديهم. قالوا له: "اختار أي جامعة بالعالم.. حتى لو طب.. هذه هدية من الحكير لوليد بدون مقابل.." كانت لحظة حلم تحقق بعد انتظار 7 سنوات، حيث حصل على قبول في جامعة سيدني الأسترالية وجامعة أوتاوا الكندية، واختار أستراليا.
جَهَّز أمتعته وحجز تذكرته، ولكن قبل أسبوع من السفر، اكتشف أنَّ الظروف المادية لأسرته ما زالت صعبة. فاتخذ القرار الأصعب في حياته: التنازل عن المنحة والبقاء لمساعدة أهله. أخبر الدكتور عبد المجيد الحكير بقراره، الذي انزعج جدًا كأخٍ كبير، لكنَّه تفهَّم الموقف. أقرض وليد راتبه لمدة سنة مقدمًا، عاش خلالها على بدل المواصلات فقط (500 ريال شهريًا)، لكنه كان سعيدًا لأنَّه حَقَّق حلمًا أكبر: تأمين مستقبل عائلته.
الدراسة أخيرًا: في أستراليا مع زوجة من ليتوانيا
بعد عام، في 2003، سجل أخيرًا في الجامعة، حيث نصحه المهندس سلمان الحكير بدراسة المحاسبة نظرًا لخبرته العملية الكبيرة في المجال، فاستمع لنصيحته ودرس المحاسبة في جامعة ماكواري في سيدني. يقول: "لو مشيت مع العاطفة، رحت على الطب.. لو مشيت مع العقل، وأنا مشيت مع العقل.. لهيك كان الخيار المحاسبة.. اليوم بحكي إنه قراري كان صحيح.." كان عمره 25 عامًا بين زملائه الذين كانوا في الثامنة عشرة من أعمارهم، وكان يعمل بدوام كامل ليعيل نفسه خلال هذه الفترة، وقد نجح في التخرج بعد عامين ونصف فقط بدلًا من ثلاثة.
وفي مفارقة جميلة، تعرَّف خلال هذه الفترة من خلال الإنترنت على فتاة من ليتوانيا (البلد التي كان قد قُبل للدراسة فيه يومًا ما)، وتزوجها وأنجب منها. عاش في سيدني، وعمل في شركات كبرى، لكنَّ حنينه للوطن وحرصه على تربية أولاده في البيئة العربية كانا السبب في عودته للوطن العربي مرة أخرى.
العائلة في المقام الأول وقرار العودة للوطن
عمل في أستراليا بعد تخرجه، لكن حنينه للوطن ورغبته في تربية أولاده "بثقافتنا، بمبادئنا، بأخلاقنا، بقيمنا".. كما يقول، جعلته يعود إلى الوطن العربي في 2009 ليعود للعمل مع مجموعة الحكير في دبي، ثم السعودية. يقول: "أولويتي كانت أهلي، أولادي، بيتي، زوجتي.." تنقل بين الأردن والسعودية والمغرب وأستراليا مرة أخرى لضمان تعليم جيد لأولاده، إلى أن استقر به المقام في الأردن في 2018 ليكون قريبًا من عائلته، ويضمن لأولاده تعلم اللغة العربية والانتماء إلى جذورهم.
زوجة في الظل: سر الاستقرار وراء كل رجل عظيم
وراء كل قصة نجاح ملهمة، هناك غالبًا شريك حياة استثنائي يلعب دور "الصخرة" التي ترتكز عليها كل الأحلام والتحديات. في رحلة وليد أبو العز الصعبة والمليئة بالمنعطفات، لم تكن زوجته مجرد رفيقة، بل كانت الداعم الأساسي والشريك الذي صنع منه الإنسان الذي هو عليه اليوم. يقول:"هي عن جد الصخرة الي كانت بظهري.. هي أحد وأكبر الأسباب الي خلتني أستمر.." بهذه الكلمات المفعمة بالامتنان، يلخص وليد الدور الأساسي الذي لعبته زوجته في نجاحه. ما يثير الإعجاب في شخصيتها هو بساطتها العميقة ووضوح أولوياتها. في وقت كان بإمكانها المطالبة بالكثير، كانت كل طلباتها مركزة على ما هو جوهري حقًا لاستقرار الأسرة وسعادتها: التعليم، والصحة.
قصة وليد أبو العز تُذكِّرنا بأنَّ النجاح الشخصي يستحيل أن يكون إنجازًا فرديًا؛ بل هو ثمرة لشراكة متينة قائمة على الدعم المتبادل، والتضحيات المشتركة، ورؤية واحدة للمستقبل. زوجته لم تكن "خلف" الرجل الناجح، بل كانت بجانبه، تسانده وتدعمه، وتذكّره دائمًا بما هو مهم حقًا: الأسرة، الصحة، والتعليم.
خلاصة رحلة مليئة بالتحديات والنجاحات في الوقت نفسه
في ختام حلقة البودكاست، يُوجِّه وليد أبو العز نصائح للشباب الطامح، وخلاصة تجاربه وخبراته في حياته المهنية، ومن أهمها:
- اليقين بالإيمان: أكبر محرك لنجاحه كان إيمانه بأن "ربنا لا يخذل عبدًا سعى وأخلص". كان على يقين بأن الله سيفتح له بابًا يوما ما.
- وضوح الهدف: يجب أن تعرف الوجهة، حتى لو كانت الطريق صعبة.
- رضا الوالدين: هو أساس البركة في الرزق والعمل.
- السعي وبذل الجهد: اليقين بعطاء الله وكرمه.
- الصدق والأمانة: "الصدق مهما كانت تبعاته.. لأنك بالنهاية رح تنتصر". الأخلاق هي التي تسمو بالشخص.
- عدم البخل على الآخرين بخبراتهم: نشر العلم والخبرة هما النجاح الحقيقي.
- التضحية لا تضيع هباءً: تضحيته بحلمه الجامعي لسنين لم تذهب سدى، بل بَنَتْ فيه شخصية قوية قادرة على مواجهة أي تحدٍ.
يختتم الحلقة بقوله أخيرًا: "اليوم بأي مكان بروحه.. بتذكر كيف أنا بدأت. أنا مش مدير ولدت بتمي معلقة ذهب… لا، أنا تعبت وسعيت.. وانهدمت أحلام وتأخرت أحلام.. بس الحمد لله على كل شيء، لأنه لو ما صار هذا كان اليوم أنا مش هون.." كانت هذه قصة رجل بدأ سعيه في الحياة لتحقيق طموحات كبيرة من عمر الثالثة عشر، متحملًا مسؤولية العائلة والواجب، ليكون بر الوالديْن سرًا من أسرار نجاحه وتوفيقه.
أنا مش مدير وُلدت بمعلقة ذهب… أنا تعبت وسعيت، وانهدمت أحلام وتأخرت أحلام… بس الحمدلله، لأنه لو ما صار كل هذا ما كنت اليوم هون.
الفرصة ما بتتلاقى… الفرصة بتتصنع. وبرّ الوالدين هو أعظم سبب للتوفيق.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.