لا تبيع أرضك.. استثمر ثرواتها واشتغل فيها.
وصال فريحات
مؤسسة @ جمعية المبدعات والمنسق في مؤسسة الأميرة تغريد للتنمية والتدريب/عجلون
من بلدة راجب في عجلون، وأم لثمانية أبناء، بدأت بلا شهادة جامعية ولا ثانوية، وواجهت نظرة مجتمعية رافضة لعمل المرأة، لتؤسس جمعية نسائية من الصفر، تحصل على دعم ملكي، وتشارك في إطلاق "دار نعمة عجلون". وصال اليوم نموذج لسيدة ريفية حوَّلت الصعوبات إلى مشاريع تنموية فتحت بيوتًا وغيَّرت نظرة مجتمعٍ كامل لدور المرأة.
ضيفة هذه الحلقة سيدة أردنية من أعماق الأرياف الأردنية، من محافظة عجلون. هي أم محاربة، وسيدة أعمال، وقائدة مجتمعيَّة؛ لم تنتظر أحدًا ليغيِّر واقعها، بل أمسكت بزمام المبادرة وحوَّلت التحديات إلى فرص، ونجحت في ترك بصمتها الخاصة في المجتمع الأردني، لتُغيِّر نظرة المجتمع تجاه عمل المرأة ودورها في المجتمع.
ضيفة الحلقة العاشرة من بودكاست على سيرة شغل مع سالي السيدة وصال فريحات، مؤسسة ورئيسة "جمعية المبدعات"، والمنسق الحالي في "مؤسسة الأميرة تغريد للتنمية والتدريب" في محافظة عجلون. نروي لكم هنا القصة الكاملة لامرأة رفضت أن يكون حلمها أسير الظروف، وبدأت الرحلة بكل شغف وطموح، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في التمكين والقيادة.
البداية: النظرة المجتمعية وتحدي تأسيس جمعية للسيدات فقط
وصال فريحات أم لثمانية أبناء أربعة ذكور وأربع إناث، من مواليد بلدة راجب في محافظة عجلون عام 1977. بدأت فكرة مشروعها المجتمعي في عام 2013، متأثرة بالصعوبات التي تواجه المرأة الريفية والمزارعة بشكل خاص.
تحدي نظرة المجتمع والعادات والتقاليد
واجهت وصال منذ البداية نظرة مجتمعية مُشككة، مستهجنة فكرة إدارة جمعية للسيدات من السيدات لوحدهن، خاصة وأنَّها لم تكن تحمل شهادة جامعيَّة آنذاك، وغير حاصلة على شهادة الثانوية العامة حتى. لكن إصرارها على مساعدة النساء، خاصة المعنفات ومن يعانين من ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة،
كان الدافع الأكبر لها. وقد جاءت فكرة الجمعية من قناعة راسخة بضرورة تكاتف الجهود ومواجهة التحديات التي تحول دون انطلاق المرأة الريفية وإنتاجيتها في مجتمعها.
الدعم الأسري: الزوج الركيزة الأساسية
ومما تجدر الإشارة إليه، أنَّ الدعم الأسري لا سيما من زوجها كان حجر الأساس لمواجهة هذه التحديات، حيث وقف إلى جانبها، مشجعًا إياها على حضور الورشات التدريبية والسعي لتطوير ذاتها، في سبيل مساعدة النساء الأخريات. وقد منحها هذا الدعم غير المشروط الثقة للمضي قدمًا في بيئة لم تكن تتقبل بسهولة فكرة قيادة المرأة لمشاريع مجتمعية.
الانطلاقة الأولى: كسب ثقة المجتمع وتحدي الشروط لكسر القواعد
بدأت شرارة الفكرة في ذهن وصال عام 2013، حيث قررت أن تؤسس جمعية خيرية يكون أعضاؤها من السيدات فقط؛ وذلك نتيجة معايشتها للصعوبات والتحديات التي تواجه السيدات والمزارعات عمومًا في الأرياف. لم يكن الطريق ممهدًا بالورود، وواجهت صعوبة كبيرة في البداية لإقناع رجال المجتمع المحيط لإرسال نسائهن لحضور الدورات التدريبيَّة في الجمعية. وقد ركزت على كسب ثقة المجتمع المحيط بها خطوة بخطوة. لم تكن وصال تحمل شهادة جامعية آنذاك، لكن إصرارها على مساعدة النساء، خاصة المعنفات أو صاحبات الظروف الصعبة، كان أقوى من أي عائق.
كان التحدي الأكبر هو تغيير الثقافة السائدة التي كانت تقيد انطلاق المرأة للعمل خارج نطاق التعليم التقليدي. تقول: "كانت البداية فيها كثير من التحديات... نظرة المجتمع، العادات والتقاليد، الثقافات. 'ليش أنتم كستات الوحيدين اللي بدكم تؤسسوا الجمعية؟'، 'وإنتِ لا تحملين الشهادة الجامعية!'."
بعد أربعة أشهر فقط من تأسيس الجمعية، ظهرت أول فرصة حقيقية عبر مشروع "مبادرون"، لكن الشروط كانت تبدو مستحيلة: يشترط أن يكون عمر الجمعية سنة على الأقل. لم تتردد وصال في الاتصال بالمسؤول عن المبادرة، لكن الرد كان مخيبًا للآمال: جمعيتها لا تستوفي الشروط بسبب عمرها القصير.
برزت هنا شخصية وصال العنيدة، والتي رفضت "الرفض" نفسه، وأصرَّت على مقابلة المسؤول بنفسها، لعرض فكرتها عليه، وهاجسها الوحيد حينها مساعدة النساء والشباب العاطلين عن العمل في محيطها. عندما طلب منها المسؤول تقديم الطلب عبر محافظة عجلون، أدركت بحنكتها أن المنافسة محليًا ستكون شرسة بين جمعيات أقدم منها. فاختارت استراتيجية مختلفة: تقديم الطلب مباشرة في عمان، معتقدة أن تميز فكرتها سيكون أكثر وضوحاً هناك.
كانت فكرة المبادرة تعتمد على زراعة الزعتر والميرمية لـ 22 أسرة في إسكان المكرمة الملكية. رأت وصال في هذه الزراعة حلًا مستدامًا، يسمح للمرأة بالاستفادة من المنتج في الاستهلاك المنزلي (الزعتر والزيت) وتسويق الفائض، مما يحقق اكتفاءً ذاتيًا ودخلًا إضافيًا.
التحدي الإداري: مشروع مكتوب بخط اليد
بسبب عدم امتلاك الجمعية للإمكانيات الأساسية، كتبت وصال المشروع بخط يدها، وهي تفصيلة تُظهر مدى التواضع الذي بدأت منه، وإصرارها على عدم ترك أي عائق مادي أيًا كان يوقفها. وقد قُبِل المشروع بهذه الصيغة، مِمَّا مَثَّل انتصارًا آخر لإرادتها.
التوسع في الخدمة: التشبيك مع القوات المسلحة
لم تقتصر رؤية وصال على المشاريع الزراعية فقط، حيث أدركت أنَّ محافظة عجلون تفتقر للفرص الوظيفية خارج القطاعين الزراعي والتعليمي. فبادرت إلى التشبيك مع القوات المسلحة، وساعدت في تجنيد شباب من الأسر المحتاجة، مساهمة في إخراج عائلات كاملة من تحت خط الفقر، ومثبتة مرة أخرى أن المرأة قادرة على الوصول إلى مراكز صنع القرار وإحداث تغيير حقيقي في مجتمعها.
التحدي الجديد: جهاز التقطير استحالة جديدة تواجهها
مع بلوغ الجمعية عامها الأول في 2014، علمت وصال عن وجود جهازيْ تقطير للنباتات الطبية والعطرية من وحدة الأمن الغذائي بوزارة الزراعة، مخصصين للمنطقتين الشمالية والجنوبية. نصحها الكثير بعدم التقدم لهذه المبادرة، مفترضين أن مثل هذه الأجهزة تُمنح فقط للجمعيات التعاونية أو الخبراء والمتخصصين في الكيمياء. لكن كلمتها المفضلة "استحالة" مرة أخرى لم تكن موجودة في قاموسها، فقررت أن تتقدم بطلب الحصول على الجهاز. تقول: "قالوا لي: استحالة يوافقوا عليك... فأنا قلت: استحالة أنا ما أقدم."
نجاح آخر وازدياد الثقة بالجمعية
بدون ترتيب موعد مسبق، توجهت وصال إلى مديرية الزراعة ووحدة الأمن الغذائي. واجهت تساؤلات حول أحقيتها في الجهاز، لكنها كانت مستعدة. اعتمدت على منهجية واقعية، حيث جمعت معلومات وإحصائيات دقيقة من مديرية الزراعة نفسها، ومن المزارعين والأسر المنتجة مباشرة. لم تلفق أو تبالغ، بل قدّمت بيانات حقيقية تثبت حاجة المنطقة لهذا الجهاز وقدرة جمعيتها على إدارته.
تمكنت بإصرارها ودراستها الواقعية من الحصول على جهاز التقطير، وهو إنجاز عَزَّز مكانة الجمعية بشكل كبير، حيث ازدادت ثقة المجتمع المحلي بها، وتوسعت قاعدة المستفيدين من دوراتها التدريبية في تمكين المرأة والشباب، حتى أن مدربين من عمان بدؤوا في الحضور لتقديم ورش عمل.
وقد آمنت بأهمية الدمج بين الجنسين، ورفضت فكرة "الفصل" في التدريبات، ودعت إلى دمج الذكور والإناث في ورشات العمل، كونها تؤمن بأن هذا النموذج الطبيعي في الحياة العادية والجامعات، وأنَّه الطريق الحقيقي لبناء مجتمع متكامل.
الاختبار الأكبر: المنحة الملكية والاعتراف الوطني
في 2016، وبمناسبة افتتاح سد عجلون، أطلق الديوان الملكي الهاشمي "مبادرة لدعم الجمعيات"، وقد رشح محافظ عجلون جمعية وصال ضمن القائمة. أثناء زيارة لجنة التقييم، لاحظت ترددًا بسبب صغر عمر الجمعية مقارنة بمنافسيها. لكنها مرة أخرى حوَّلت الانتباه من "عمر الجمعية" إلى "إنجازاتها".
قوة الإنجازات تتحدث
وقد استعرضت وصال إنجازات الجمعية بكل ثقة، وتحدثت عن "مشروع مبادرون"، والتعاون مع القوات المسلحة، وجهاز التقطير، والعمل الميداني مع الأسر. أثبتت أن الجمعية، رغم صغر سنها، كانت فاعلة ومؤثرة على الأرض. كانت المفاجأة أن جمعيتها كانت أصغر جمعية على مستوى المملكة تحصل على منحة ملكية بقيمة 60 ألف دينار.
استثمرت المنحة في 28 مشروعًا اقتصاديًا منزليًا متنوعًا (زراعي، و إنتاجي، و مطبخ إنتاجي)، مما ساهم بشكل مباشر في تمكين الأسر ورفع مستوى الدخل. هذا الإنجاز لم يكن فوزًا ماليًا فحسب، وإنما أيضًا تتويجًا لرحلة إصرار، وبرهانًا على أن الفاعلية والحافزية هما المعيار الحقيقي للنجاح، وليس "العمر" أو "الشكل".
النقلة النوعية: التعاون مع مؤسسة الأميرة تغريد
كانت المفاجأة السارة التي غيرت مسار حياة وصال العملية هو اتصال هاتفي من مؤسسة الأميرة تغريد للتدريب والتنمية، إحدى أبرز المؤسسات الوطنية. علمت المؤسسة بجهاز التقطير الموجود لدى الجمعية من خلال مشروع الوردة الشامية الذي كانت تديره بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). جاءت الدكتورة أغادير، المدير العام للمؤسسة، لزيارة الجمعية بنفسها، ووجدت في رؤية وصال وأهداف جمعيتها توافقًا كاملًا مع رسالة مؤسستها.
الشراكة الاستراتيجية والثقة المتبادلة
اقترحت الدكتورة أغادير بدايةً التعاون لمدة أربعة أشهر، شعرت خلالها وصال بأن العمل معًا مُكَمِّل وليس تنافسيًا، ولذا قررت استغلال هذه الفرصة الذهبية بأقصى طاقة، وعملت على تعزيز ثقة المؤسسة بها من خلال التخطيط لمشاريع جديدة تعتمد على المواد الأولية في المنطقة، مثل زراعة الوردة الشامية وتوسعة المبنى.
لم تمر سوى بضعة أشهر حتى تفاجأت بدعوة للاجتماع في عمان، حيث عرضت عليها الدكتورة أغادير وظيفة رسمية بمسمى "منسق المؤسسة" في محافظة عجلون.
الصدق بوابة الفرص: الاعتراف بالمهارات لا بالشهادات فقط
في لحظة تعكس نزاهتها وصدقها، أخبرت وصال الدكتورة أغادير قبل توقيع العقد أنَّها لا تحمل سوى شهادة الثانوية العامة (التوجيهي). كان رد الدكتورة محفزًا ومختلفًا: "أنا ما بهمني شخص يكون بروفيسور ومعلق الشهادة وما عنده إنتاج.. إنسان عملي مثلك أنا أعتز وأفتخر في العمل معه". هذا الموقف أكد لها أن القيمة الحقيقية في العمل والإنتاج، وليس في الأوراق أو الشهادات فقط.
سر التميز: الاستثمار في الذات والتعلم المستمر
كان سر ثقة الدكتورة أغادير بوصال هو استثمارها الدائم في تطوير ذاتها، فخلال ثلاث سنوات فقط (2013-2016)، حصلت على أكثر من 120 شهادة تدريبية في مجالات مختلفة، مثل: التصنيع الغذائي، وإدارة الوقت. لم تكن تحضر الدورات للحصول على الشهادات فقط، بل كانت تطبق كل ما تتعلمه على أرض الواقع، معتبرة ذلك استثمارًا في مستقبلها ومستقبل مجتمعها.
التغلب على عائق اللغة بالثقة والحلول العملية
لم يكن إتقان اللغة الإنجليزية حاجزًا أمام تعاملها مع المنظمات الدولية. كانت ثقتها بنفسها عالية، وإدراكها أن الكثير من القادة حول العالم يعتمدون على المترجمين، جعلها تتغلب على هذا التحدي ببساطة. كانت توفر مترجمًا مسبقًا لأي ضيف أجنبي، معتبرة أن إيجاد الحلول أهم من التركيز على نقاط الضعف.
توازن نادر: بين الأمومة والقيادة المجتمعية
وجدت وصال نفسها أمام مسؤوليتين كبيرتين: وظيفتها الجديدة في المؤسسة وإدارة جمعيتها، بالإضافة إلى دورها كأم لثمانية أبناء. تميزت بإدارتها الذكية للوقت، حيث تبدأ يومها من الفجر وتنظم أولوياتها؛ لتثبت أن لا وجود للمستحيل، عندما يكون هناك إرادة وتخطيط.
سمعة الجمعية واسمها الشخصي أصبحا علامتين تجاريتين موثوقتين، ساهما في جذب المزيد من الدعم، مما كان له أثر كبير في توسيع نطاق الاستفادة من برامج التدريب من 30 سيدة ليصل إلى أكثر من 200 سيدة، مع التركيز على التصنيع الغذائي وإعادة التدوير.
ومما يلفت النظر أيضًا إلى هذه النقطة، الإبداع والابتكار في استخدام جهاز التقطير، حيث كانت تستفيد من قشور البرتقال والليمون بعد عصرها لاستخراج الزيوت، محققة مفهوم "سياسة الاقتصاد الدائري" لتقليل الهدر وزيادة القيمة المضافة لما تقدمه جمعيتها من منتجات.
التحول الجذري: من الحريق إلى دار نعمة
بعد النجاح الكبير والزيارة الملكية، واجهت وصال اختبارًا قاسيًا جديدًا، وذلك حين تعرضت الجمعية لحريق متعمد طال موقع الجمعية وجهاز التقطير، في حدث مثَّل صدمة للجميع. شعرت بالإحباط، خاصة وأن الدكتورة أغادير فكرت بالانسحاب من المحافظة بسبب "الغيرة"، ورفض المجتمع كما بدا لها.
لكن وصال كانت أكثر صلابة. قالت للدكتورة بكلمات مؤثرة: "أنا والله لو إتطلعيني من الباب، غير أفوت لكم من الشباك".
كان هذا الموقف نقطة تحول نحو فكرة أكثر طموحًا: الحصول على قطعة أرض حكومية بدلًا من الاستئجار، لإنشاء مشروع لا يمكن لأحد تدميره. واجهت معارضة حتى لهذه الفكرة، حيث قال بعض المعترضين: "نحن لا نريد مشروعًا تنمويًا". لكنها واجهتهم بمنطق حاد: "وين المشروع التنموي اللي إنتو اشتغلتوا عليه من ثلاثين أو أربعين سنة؟".
كانت تؤمن أن هذا المشروع سيفتح بيوتًا، ويصرف على عائلات، ويخفف بطالة الشباب؛ لتكون هذه الانطلاقة الشرارة الأولى في ولادة مشروع دار نعمة عجلون، بدعم كامل من مؤسسة الأميرة تغريد، وليكون جزءًا أساسيًا من سلسلة مشاريع "دار نعمة" التابعة للمؤسسة في مختلف محافظات المملكة. وقد تميز موقع دار نعمة في عجلون بإطلالته الساحرة على قلعة عجلون وكفرنجه القديمة، وتركيزه على الهوية المحلية.
وبينما تركز مشاريع "دار نعمة" الأخرى على منتجات مناطقها، اختارت وصال أن يتميز مشروعها في عجلون بـالمطبخ الإنتاجي الريفي، حيث يقدم الوصفات البلدية الأصلية المُعدة على الحطب، مما يجذب السياح والزوار لتجربة تذوق فريدة لأهل المنطقة.
إنجاز شخصي: العودة إلى مقاعد الدراسة
رغم إنجازاتها وبصمتها المؤثرة في مجتمعها، ظلَّ حُلم العلم يراودها، ولذا قررت العودة لدراسة الثانوية العامة، وتقدمت للامتحان سرًا (بعلم أفراد عائلتها فقط ودعمهم)، ونجحت لتبقى لحظة إعلان النتائج ذكرى راسخة في ذهنها، وواحدة من أعظم إنجازاتها الشخصية.
سجلت في تخصص الهندسة الزراعية في جامعة عجلون الوطنية، لتكمل دراستها الجامعية مع أبنائها، محققة درجة الامتياز.
تحدي السفر: كسر القيود وفتح الآفاق
في عام 2018، جاءت الفرصة التي ستختبر مرة أخرى حدود القيود المجتمعية: دعوة للسفر في مهمة عمل إلى لبنان. لم تكن رحلة عادية، بل كانت تحديًا شخصيًا واجتماعيًا، خاصة أنَّها لم تسافر طوال حياتها من قبل. عندما اتصلت بها إدارتها في عمان، لم تتردد لحظة. كان ردها بالقبول فورًا، وقد كان قرارها مبنيًا على ثقة راسخة بزوجها الداعم، الذي كان حجر الزاوية في تمكينها.
واجهت التحدي المعتاد مع والدتها، التي كانت قلقة من "كلام الناس"، لكنها استطاعت إقناعها بأنَّ هذه الفرصة ستكون بمثابة إنجازًا مهمًا في حياتها ولأبنائها. تذكر شعورها عندما ربطت حزام مقعد الطائرة لأول مرة في حياتها، بكت كثيرًا لتذرف دموع فرح لا دموع خوف. كانت تدرك أن الكثيرين من حولها يسافرون بسهولة، بينما كانت هذه أول مرة لها. أكدت لها هذه الرحلة أن العالم واسع وأمامها فرص لا حدود لها، وقد كان لهذه الرحلة، ودعم المؤسسة المستمر، أثر عميق على أسرتها.
لم يقتصر الدعم على الجانب المهني، بل تكفلت المؤسسة بدراسة أحد أبنائها، مما خفف العبء المالي عن الأسرة الكبيرة التي تضم عشرة أفراد.
نظرة على الرحلة: التحديات تتحول، لكنها لا تختفي
تؤكد وصال اختلاف طبيعة التحديات بعد مرور السنوات، وأنها أصبحت اليوم تتمحور حول كيفية قيادة مشاريع أكبر وإحداث تأثير أوسع. ومما يجدر بالذكر أنَّ الثقة المجتمعية التي كسبتها جعلت المستحيل ممكنًا.
أمَّا فلسفتها في الحياة ثابتة لا تتغير، فهي ترى كل تحدٍ فرصة لتعلم أمر جديد، وتؤمن بدور النساء في المشاركة المجتمعية وبناء مشاريعهم الخاصة، وأن "العمل للمرأة مش عيب". أما الدليل الأكبر على نجاح هذه السيدة العصامية فهو أبنائها، حيث تقول بإنَّ كل واحد منهم يملك فكرًا وهدفًا واضحًا، ويعملون على تطوير ذاتهم والمساهمة في تطوير مجتمعاتهم وترك الأثر.
الخاتمة: مسيرة عطاء مستمرة
تختتم الحلقة بتوجيه وصال نصيحة أخيرة للشباب وأهل القرى والمحافظات، والتي تتمثل بأهمية التمسك بالأرض والاستثمار فيها، وعدم إهمالها أو بيعها. كما وتدعو المستثمرين للتوجه إلى محافظة عجلون للاستفادة من ثرواتها المخفية، مؤكدة أن كل سيدة في عجلون قادرة، مثلها، على أن تعيل أسرتها وتعلم أولادها. وتختتم حديثها بشكر وسائل الإعلام لتسليطها الضوء على معاناة وإنجازات سيدات الأرياف، معبرة عن أملها في استمرار العطاء، وأن تثبت كل سيدة أن لا شيء مستحيل.
إيجاد الحلول أهم من التركيز على نقاط الضعف.
العمل للمرأة مش عيب… العيب إنّها تترك قدراتها حبيسة البيت وهي قادرة تعيل بيت وتفتح بيوت غيرها.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.