المرأة عندما تتبع شغفها، لا تبني مشروعًا تجاريًا فحسب، بل تخلق مجتمعًا متكاملًا.
زينة أبو خلف
مؤسسة @ "ميني مي" لتنمية مهارات الأطفا
من عقدة اللغة وغياب الشغف، إلى قارئة مُلهمة وريادية تربوية حولت تجربة الأمومة إلى مشروع وطني يربط المعرفة بالتطبيق. أطلقت "ميني مي" لتصنع بيئة لعب هادفة ووعي تربوي، وتمنح الأمهات والأطفال رحلة نمو حقيقية تبدأ من القراءة وتنتهي بالأثر.
الكثير منا يعبُر رحلة الحياة محاولًا اكتشاف شغفه ورسالته، حتى تأتي تلك اللحظة الفارقة التي تُضيء لنا شغفنا الحقيقي. إنَّها قصة امرأة لم تكن تعرف معنى القراءة الحقيقية، حتى اكتشفت أنَّ حبها للقراءة ليس مجرد متعة عابرة، بل بوابة للفهم والتطبيق والمساهمة في تغيير المجتمع نحو الأفضل.
من طفلة لم تكن تحب المدرسة، إلى شابة عانت من عقدة اللغة الإنجليزية، إلى أم مبدعة اكتشفت أنَّ المعرفة دون تطبيق لا تساوي شيئًا. هذه هي رحلة "زينة أبو خلف" باختصار، المرأة التي حوَّلت شغفها بالطفولة إلى مشروع "ميني مي" لتطور مهارات الأطفال، تأخذنا في هذه الحلقة لتسرد لنا تفاصيل قصتها، وتثبت لنا أنَّ الإلهام قد يأتي من حيث لا نتوقَّع.
فما هي تفاصيل رحلتها؟ وكيف نجحت في ترك بصمتها في عالم التطوع والطفولة؟ هذا ما سنعرفه في ملخص الحلقة الثامنة من بودكاست على سيرة شغل مع سالي أبو علي.
البداية من نقطة الصفر
تبدأ سالي حوارها مع زينة بسؤالها عن علاقتها بـ "القراءة" تحديدًا، لتجيبها بأنَّها كانت مثل الكثيرين غيرها تقرأ القصص والروايات، ولكن دون أن تدري الجوهر الحقيقي للقراءة. لتكشف بعدها نقطة التحول التي مرت بها في الجامعة، حيث حضرت دورة بعنوان "فقه النفس"، والتي أحدثت تغييرًا كبيرًا في مفهومها تجاه هذه المهارة، لتدرك أنَّ كل خطوة في هذه الحياة تحتاج إلى فهم ومعرفة مسبقة، وأن القراءة كفيلة بمساعدتها وتوجهيها وإيجاد حلول لأي مشكلة تواجهها.
لم تكن زينة تحب الدراسة أيام المدرسة، ولم تكن تملك طموحًا أو شغفًا كبيرًا تجاه أمر ما، وكانت عقدتها الكبرى في مادة الإنجليزية، والتي منعتها في الكثير من الأحيان من التقديم على وظائف تحتاج لإتقان هذه اللغة.
والغريب في الأمر، أنَّها درست في الجامعة اللغة الإنجليزية التطبيقيَّة، ولكنها لم تكن تتقنها كما يجب، حيث لم تتعلم في الجامعة "كيف تستخدم اللغة". وقد أثبتت لنا هذه التجربة أنَّ التعلم وحده لا يكفي دون تدريب وممارسة.
من القراءة إلى التطبيق.. رحلة الأمومة التي غيرت كل شيء
بعد أن تزوجت زينة وأنجبت ابنتها الأولى، تحوَّلت القراءة عندها من هواية إلى شغف حقيقي، تقول: "صرت أقرأ كتب تخصني أنا... وقت الزواج صرت أقرأ عن الزواج، وقت الأمومة صرت أقرأ أكثر".
كانت تحب الأطفال كثيرًا، وكانت تؤمن بأنَّ الطفل المميز قادر على ترك الأثر حتى لو كان صغيرًا، وإيمانها هذا قادها إلى التعمق في قراءة الكتب المتخصصة في تطور الطفل، وكانت تختار الكتب وفق ما تمر به حسب تجربتها الخاصة في الحمل والولادة، وتطور الطفل ونموه. لم تكن تقرأ للمتعة فقط، بل كانت تعيش مع المرحلة بكل تفاصيلها، وقد اكتشفت الفجوة بين المعرفة والتطبيق، وأنَّ المعلومات الموجودة في الكتب تحتاج إلى ترجمة عملية في الواقع.
هنا، تحولت زينة من امرأة تخاف من اللغة الإنجليزية، إلى قارئة شغوفة وأم تبحث عن الأفضل لأطفالها، وكانت دون أن تدري تضع حجر الأساس الذي ستنطلق منه لتأسيس "ميني مي"، لتكون دليلًا حيًا على أنَّ الشغف الحقيقي لا ينبع من فراغ، بل من تجربة حية وبحث دؤوب عن المعنى.
من الأمومة إلى ريادة الأعمال: حين يتحوَّل الشغف إلى مشروع
بعد ولادة ابنتها الأولى، تغيرت نظرتها للأمومة من مسؤولية تربوية إلى شغف حقيقي، وبدأت تستمتع بكل تفاصيل رحلتها. بينما تشكو كثير من الأمهات من التعب والسهر، كانت ترى في رحلتها هذه فرصة لاكتساب خبرات جديدة، ليقودها شغفها هذا إلى التطبيق العملي، حيث تقول: "صرت أعمل أنشطة لبنتي أكثر، أقرأ أكثر شو الأشياء الي ممكن إنه نعملها".
تجاربها هذه دفعتها لملاحظة الفجوة الكبيرة في طريقة تربية الأمهات، حيث إنَّ الغالبية تحضر الألعاب لأطفالها، وتطلب منهم اللعب وحدهم. لتقرر أن تخلق حلًا، فأطلقت مع صديقة لها مبادرة "قصص للأم والطفل"، وكانت المبادرة فعالية لقراءة القصص، تحضرها الأم مع طفلها. ومن ثم خصصتا صفحة للمبادرة على إنستغرام باسم "Mom and Me Classes"، للإعلان عن حصص أسبوعية تجمع الأمهات بأطفالهن في جودة وقت حقيقي بعيدًا عن "أجواء الأسواق التجارية المزعجة والهواتف الذكية". كانت الفكرة تقدم "حلقة تشاركية" تجعل الأمهات يستمتعن باللعب مع أطفالهن.
الفرصة التي غيَّرت المسار: من الأم إلى المدربة
بعد عملها لمدة سنة في هذه المبادرة، جاءت الفرصة الذهبية. خلال حملها بابنها الثاني، وبينما كانت في زيارة لأحد مراكز الأطفال لتسجيل طفلتها، عرضت عليها مديرة المركز إنشاء برنامج للأطفال الصغار. ورغم عدم امتلاكها للخبرة الرسمية، لم تتردد في قبول الفرصة، ووافقت على الفور. أدركت حينها أنَّها بحاجة للحصول على مؤهل رسمي، فسجلت في دورة "مدرب معتمد" لدمج مهارات التفكير الإبداعي في المناهج التعليمية، مستثمرة 500 دينار لدخول المجال. عملت لمدة سنة كاملة في المركز، لتطور خلالها برنامج "Little Skilled Skills" للأطفال من 2-4 سنوات.
التحول الجذري: حين تصبح التجربة الشخصية مصدر إلهام
أمَّا نقطة التحوُّل الحقيقيَّة، فكانت من ملاحظتها الشخصية لتصرف ابنتها في حفلة بالمدرسة، حيث لم تكن تتفاعل مثل باقي طلاب صفها، لتدرك زينة أن هناك مشكلة حقيقية، ولا بد من متابعة الأمر. لم تُهمل الملاحظة، وانطلقت في رحلة بحثها عن الخلل، لتبحث وتقرأ أكثر عن أسباب تشتت الأطفال وعدم تفاعلهم. وقد استشارت أخصائيين، لتكتشف أهمية المهارات الأساسية التي يغفل عنها الكثير من الأهالي.
توصلت زينة إلى إدراك مهم: الطفل من عمر يوم لست سنوات، 90% من دماغه يتكوَّن في هذا الوقت، وهو العمر الذهبي الذي يجب أن نستغله لصقل مهارات الطفل. ولاحظت أن الكثير من الأهل يعطون أطفالهم الأجهزة الذكية لتهدئتهم في الأماكن العامة، دون إزعاج الآخرين.
من غرفة الضيوف إلى عالم الأعمال: ولادة "ميني مي"
بعد عملها لسنة كاملة في المركز، وجدت زينة أنَّ الوقت قد حان للانطلاق بمشروعها الخاص. تقول بصراحة: "شعرت أن مجهودي ذهب.. ُنسب إلى غيري". لكنَّها تنظر إلى التجربة بنضج، وترى أنها اكتسبت خبرة كبيرة من خلال تجربتها هذه. قررت زينة حينها أن تبدأ بفكرة جديدة مختلفة، ألا وهي إنتاج منتج متخصص للأطفال بالشراكة مع زوجها الذي كان شغوفًا بالأعمال الخشبيَّة، لتطلق فكرة "صندوق المهارات المتنقلة"، وقد بدؤوا عملهم من "غرفة الضيوف" في منزلهم، والهدف الأساسي كان: إنتاج "منتج" بسيط متنقل خفيف الوزن، ليكون بديلًا عن التابلت والهواتف الذكية.
مشروع عائلي: حين يصبح الأولاد شركاء
تحولت فكرتها إلى مشروع عائلي، ليصبح أطفالها شركاء فيه، يساعدونهم، ويصممون معهم، ويشاركونهم كل التفاصيل. ترى زينة قيمة عظيمة في هذه الفرصة التي أتاحت لها بناء شخصية رائعة لأبنائها، فهي لم تكن مجرد وظيفة عادية، بل فرصة لتقوية شخصيتهم، وتعليمهم مهارات البيع والتفاعل مع الناس من خلال المشاركة في البازارات.
التوسع الطبيعي: عندما تأتي الفرص من حيث لا نتوقع
نجحت فكرة الصناديق، وتوالت بعدها الطلبات من الحضانات ورياض الأطفال، وقد قبلت زينة وزوجها جميع التحديات التي واجهتهما، ووافقا على جميع الطلبات التي جاءتهم، ونجحا في تنفيذها.
وقد ساعدتهم وسائل التواصل الاجتماعي على نشر الفكرة أيضًا، بالإضافة لحصولها على فرصة إعلامية من خلال المقابلات التلفزيونية والراديو، ليتوسع نطاق العمل شاملًا جداريات المدارس، ومراكز الأطفال، وغيرها.
التطوع منهج حياة.. صناعة الأجيال بصناعة العطاء
لم تقتصر رحلة زينة أبو خلف على العمل الربحي فحسب؛ بل امتدت إلى قلب المجتمع من خلال عملها التطوعي. تقول: "كنت دائمًا أتطوع مع جمعية صناع الحياة... فكان هناك طرود رمضان ولها أجوائها الخاصة..".
لكن زينة لم تكتفِ بالتطوع التقليدي، بل حولته إلى فرصة لتمكين الأطفال، حيث تعاونت مع جمعية صُنّاع الحياة لتطلق مبادرة "جهاز مونة للأطفال"، وأعلنت عن حاجتها لمتطوعين من كل الأعمال من أربع سنوات إلى خمس عشرة سنة، لتزرع في الأطفال حس المسؤولية وحب التطوع والعطاء.
لحظات الانبهار.. عندما نمنح الأطفال الثقة
تروي بكل حماس نجاح هذه المبادرة، كما كان حماس الأطفال تمامًا عند تنفيذها! أمَّا أكثر اللحظات التي تركت أثرًا كبيرًا في نفسها، كانت عندما شاهدت ابنها في موقف المسؤولية: "عمري ما شفت ابني واقف هذه الوقفة... لما شفته واقف وجاهز سلمته القائمة".
كانت المفاجأة أن الأطفال استمتعوا بالعمل، وتعاونوا حتى أتموه كاملًا على أتم وجه. بعد نجاح هذه المبادرة استأجرت زينة قاعة من قاعات مركز الكالوتي، واستمرت فيها لمدة سنة كاملة أيضًا.
انطلاقة تحقيق الرؤية: "ميني مي"
بعد مرور عام قررت زينة أن تبدأ مرحلة جديدة في رحلتها هذه، ألا وهي إنشاء مركز خاص بها. كانت رؤيتها واضحة، حلمت بمكان مثالي للطفل، ليكون بيته الثاني، ومصدر أمان له. لتثبت لنا أن دائرة العطاء لا تقتصر على "الفصول والغرف المدرسية" فحسب؛ بل في ساحات الحياة، حيث يلتقي العطاء بالتمكين، والمعرفة بالتطبيق.
بعد بحث طويل، وجدت زينة مكانها المثالي، ليكون في "مركز هيا الثقافي"، لتترك بصمتها الخاصة في ربط أثر هذا المكان كما حدث معها في طفولتها بذاكرة أطفالها. استأجرت قاعة في المركز الذي يحمل ذكريات طفولتها، لإيمانها بأنَّه المكان المناسب للأطفال.
تحديات ريادة الأعمال.. بين الأمومة والأمانة المهنية
لم تكن رحلتها سهلة، وواجهت كريادية أعمال تحديات كثيرة، خاصة لتوازن ما بين مسؤولياتها المنزلية والمهنية، لتنطلق من هنا شرارة مشروع "نادي دردشات أم"، والذي يُعنى بالصحة النفسيَّة والجسدية للأم العاملة وغير العاملة أيضًا.
إيمانها بأثرها في بناء المجتمع: من الأمهات إلى اليافعين
كما وتؤمن زينة بضرورة توسع نطاق مشروعها ليشمل فئات عمرية مختلفة، حيث بدأت بملاحظة احتياجات أولادها اليافعين، والحاجة الملحة لإنشاء نادٍ متخصص يساعدهم في صقل مهارتهم وتعزيز ثقتهم بقدراتهم في هذه المرحلة من عمرهم.
فلسفة العمل: حين يكون الشغف المحرك الأوَّل
تكشف زينة فلسفتها في العمل، حيث تقول: "أنا بشتغل لأني بحب شغلي.. وبحب إنه أي حد بدخل عنا يشعر إنه في بيته الثاني".
وتنصح كل من يملك شغفًا أن يلاحقه حتى يحققه، وأن يؤمن بفكرته ليكون حافزًا له ليعطي ويقدم أكثر، وأيضًا أن يستغل كل الفرص المتاحة له.
أمَّا فلسفتها في النجاح، فهدفها من تحقيق النجاح هو ترك البصمة في المجتمع والأثر الدائم، لتثبت لنا من خلال رحلتها أنَّ المرأة عندما تتبع شغفها، لا تبني مشروعًا تجاريًا فحسب، بل تخلق مجتمعًا متكاملًا، وتصنع من طفولتها الداخلية منارة تضيء طريق الأجيال.
التطوع مو وقت ضايع… هو اللي بيصنع شخصيتنا وإحساسنا بالمسؤولية.
اكتشفت إن القراءة مش متعة… القراءة فعل. لازم نطبق اللي منعرفه، غير هيك ما إلها قيمة.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.