لن تسافر إلا إذا جازفت.. لن تفتح مشروعًا إلا إذا جازفت… لن تتغيّر إلا إذا قررت أن تتوقّف عن الانتظار
ميساء مقدادي
مؤسسة ومديرة مدرسة "Let's Talk Food" للطبخ
متخصصة في المطبخ الشامي والتراث الغذائي العربي، وتجمع في تجربتها الفريدة بين الطعام والثقافة والاستدامة. بدأت مسيرتها في دبي عام 2013، وتعاونت مع كبرى العلامات التجارية الغذائية والمؤسسات الدولية كبرنامج الأغذية العالمي WFP. تحمل شغفًا عميقًا بجذورها الفلسطينية وتسعى إلى توثيق الموروث الغذائي من خلال كتابها القادم، وفضائها الإبداعي الجديد في شارع الرينبو بعمّان.
هناك لحظات في حياة الإنسان تبدو فيها الأشياء تُرتَّب من وراء الستار؛ لحظات لا تُقرَأ إلا بعد أن تمضي، ولا تُفهَم إلا حين تلتفت إلى الخلف وترى كيف يمكن لكل تفصيلة صغيرة أن تُشكِّل نسيجَ مستقبلك بهدوء.
هذه التفاصيل تخلص قصة ضيفتنا في الحلقة السابعة في بودكاست "على سيرة شغل"، ميساء مقدادي المهندسة التي حوَّلت شغفها في عالم الطبخ والتراث إلى مشروع يليق بها، وقصة أم آثرت حضورها في تفاصيل حياة أطفالها على راتب ومنصب. فما هي تفاصيل الحكاية؟ تابع القراءة لتعرف أكثر.
البذرة التي زرعتها أمّ دون أن تقصد
لم تكن ميساء تعرف حين كانت طفلة تعود من المدرسة على رائحة الغنم التي كانت تملأ البيت، أن تلك الرائحة ستعلق في روحها إلى الأبد؛ فأمها لم تكن تقبل بشراء الجبنة النابلسية من أي مكان، وكانت تطلب من الشخص الذي تشتري منه الجبنة أن يأتي لمنزلها لصنع الجبنة في أوعية خشبية تقدمها هي له.
أما زيت الزيتون، فكان والدها يتجوَّل في كل مزارع عجلون وجرش ليجربه، ولا يختار إلا الأجود. الزعتر ليس كيسًا جاهزًا من السوق، كانت جدتها "سارة" تصنعه بيديها وهي تدقّه أمام الأحفاد بالهاون.
هذه ليست وساوس بالمعنى السلبي، هي فلسفة أكل ورثتها ميساء بالعيش لا بالقراءة. وما إن كبرت حتى أدركت أن ما ظنّته طفولةً مبالغة فيها، كان في الحقيقة تعليمًا راقيًا بمعنى الكلمة. فأهلها صيادلة قدامى، تعلّموا علم النبات وعرفوا الجزء الفعّال من كل شجرة وعشبة، وكانوا يلعبون مع أطفالهم لعبة "أغمضوا أعينكم وشمّوا: هذا إيش؟" - فأنجبوا منهم أناسًا يعرفون أن للأرض روائح تحكي، وأن الطعام ذاكرة قبل أن يكون غذاء.
مهندسة تقتحم الباب بلا موعد
درست ميساء الهندسة ولم تندم يومًا، بل تقول بكل ثقة: "لو رجعت لوقت التوجيهي، كنت سأختار الهندسة من جديد." لكنها تعلَّمت شيئًا أعمق من التخصص، فقد تعلمت أنَّ الخلفية الأكاديمية شيء ومهارات الحياة شيء آخر، وأنَّ الأذكياء هم من يجيدون الاثنين معًا.
حين أرادت أول وظيفة لها، لم يكن هناك لينكد إن، ولا تطبيقات توظيف، فحملت سيرتها الذاتية وذهبت إلى الشركات تطرق الأبواب بنفسها. تقف أمام شركة أرابتك في عمّان، يقولون لها "ما عندك موعد"، فترفض أن تنصرف وتُصرّ بهدوء: "بدّي أقدّم، بدّي أشتغل…"، حتى وجدت الطريق.
انتهى بها المطاف إلى العمل في شركة دار الهندسة مع المهندس علي حماد، الذي حاول بكل ما أوتي من حجج أن يثنيها عن العمل في منطقة وادي الموجب والبحر الميت؛ فالعمل بعيد، والجو قاسٍ، والزلازل موجودة، وهي الفتاة الوحيدة بين المهندسين. لكنها ذهبت. وتعلّمت هناك ما لا تعطيه الجامعات: كيف تُكتب الرسائل للمقاولين، وكيف تُقدَّم العطاءات في وزارة الأشغال، وكيف تبني علاقات مهنية تدوم عقودًا. مهندسون قضوا ثلاثين سنة في المهنة لم يشهدوا ما شهدته هي في سنواتها الأولى.
والأهم من كل ذلك: رأت في علي حماد نموذجًا للإخلاص الحقيقي، الإخلاص الذي لا يُجزَّأ بين العمل والحياة. "المخلص في حياته، مخلص في كل شيء يواجهه".
الأمومة: خيار لا يقبل الحساب
حين انتقلت ميساء إلى دبي ورُزقت بابنها الأول فيصل، أتتها عروض وظيفية مميزة. لكنها وقفت أمام سؤال لا تجيب عنه الأرقام: من يكون مع ابني من الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وأنا على بعد ساعات من أهلي وعائلتي؟
قررت أن تبقى؛ لا لأنها كانت مُتيقنة من صحة القرار، ولكنها لم تقتنع بعكس ذلك. تقول بصدق نادر: "في لحظات بتجيني مشاعر إنه اللي عملته غلط، ومرات لما بتفرج على صور الولاد بقول لا، ما عملت غلط. هاي الأشياء ما فيها صح وغلط."
هذا الصدق هو ما يجعل ميساء قصة حقيقية، لا قصيدة في مدح الخيارات المثالية. هي امرأة عاشت تناقضات الحياة بكل ثقلها، واختارت أن تكون حاضرة في لحظات لا تعوض، وبنت من ذلك الحضور شيئًا لم تتخيّله في البداية.
الأبناء شركاء في الشغف
الجميل في قصة ميساء أنها لم تُبعد أولادها عن طموحاتها، وعاشوا معها تفاصيل شغفها هذا. حين بدأت مسيرتها في عالم الطعام، كانت تحمل "فيصل وغازي" معها إلى مهرجانات الأكل، والمطاعم، والرحلات الغذائية، فنشآ على أن يُميّزا جودة اللحم وعطر التوابل وأصل المكوّنات. صارا ناقدي طعام صغيرَين بحسّ حقيقي.
واليوم، فيصل في هونغ كونغ يطبخ ويدعو أصدقاءه، يتصل بأمّه يسألها: "ماما، كيف أحطّ البهارات؟" لكنه لا ينتظرها أحيانًا، بل يشاهد يوتيوب ليرى إن كانت الطريقة المعروضة تشبه طريقتها هي أم لا.
وحين أرسل إليها صورة مع أخيه غازي يسألانها: "لو رجعتِ لحظة واحدة كأمّ، أيّ لحظة تختارين؟" لم تقل التخرج ولا عيد الميلاد. قالت: اليوم الذي دخل فيه ابنها البيت بعد آخر امتحان في المدرسة، وقال "كبّي الـ uniform"، ففاضت دموعها لأنها شعرت أنها قد فقدت أمرًا ما للأبد.
دبي، الأجانب، وحكاية الزعتر التي أدهشت العالم
عندما تعيش في دبي، فإنَّ هذا يعني أن تلتقي بأكبر عدد ممكن من الجنسيات في العالم، لتكتشف ميساء شيئًا مهمًا: ما يبدو عاديًا بالنسبة لها هو سحر بالنسبة لغيرها. سندويشة الزعتر بزيت الزيتون التي يحملها أطفالها على المدرسة هي بالنسبة لجارتها الفرنسية "أكل غريب"، لكنها بالنسبة لجارتها الهندية مثل بامية مقلية في صندوق الغداء: هوية وانتماء.
من هنا وُلدت مبادرة "Let's Talk Food Dubai" عام 2012، حيث بدأت ميساء تعليم الأجانب وصفات المطبخ الأردني والفلسطيني. لكنها لم تكن مجرد حصص طبخ، فقد كانت رحلات في التراث: من أين يأتي السماق؟ وكيف كانت الجدة تصنع الزعتر؟ وما قصة "المقلوبة"؟ و كيف تطبخين وجبة صحية لأطفالك دون أن تقضي حياتك في المطبخ؟
استقطبت المبادرة مجلات وتلفزيونات وأشخاصًا من كل مكان، وكان التسويق عبر مجموعات النساء على الفيسبوك، في زمن كانت فيه كلمة "إنفلونسر" غير موجودة أصلًا. حين وقّعت أول عقد إعلاني مع شركة زيت، قالوا لها "أنتِ إنستغرامر Instagramer"، فلم تكن تعرف معنى الكلمة جيدًا، لكنها وقّعت لأن المنتج يُعبّر عنها.
ولعل أجمل ما في تلك المرحلة قصة ميليسا، الجارة المكسيكية التي دقّت باب ميساء وطلبت حضور الحصص مجانًا، لأن زوجها لا يسمح لها بالإنفاق على نفسها. فوافقت ميساء على حضورها كل الحصص مجانًا مقابل مساعدتها لها. حين عادت إلى المكسيك صارت من أشهر مٌنتجي المخللات المخمرة في بلدها. تلك اللقطة وحدها تلخّص فلسفة ميساء: "من تُعطيه فرصة قد يبني امبراطورية".
عودة، وكورونا، وافتتاح لا يشبه المنطق
حين عادت ميساء إلى الأردن مع أسرتها، كان العالم يحتضر تحت ثقل جائحة كورونا. أُغلقت المحلات وأُفلست الشركات. لكن ميساء كانت تنظر بعيون مختلفة: الإيجارات انخفضت، وخلوّات المحلات اختفت، وصاحب المحل الذي استأجرته كان مثقلًا بالديون وجاءت كالمُنقِذة.
افتتحت "ميساء كافيه" في جبل عمّان دون خطة عمل مكتوبة. لو كانت قد وضعت خطة حينها، تقول، لما فتحته، لأن كل الأرقام كانت ستقول "لا". لكنها رأت فرصة ومشت نحوها، وحين يكون الإيمان أقوى من الخوف، يُيسَّر ما بدا مستحيلًا.
المقهى ليس مطعمًا كلاسيكيًا عاديًا، هو مساحة تمزج بين الفطور والبرنش (وجبة ما بين الفطور والغداء) وحصص الطبخ والمنتجات التراثية. الزبدة البلدية التي تخزّنها على فصل الربيع، والجبنة المختارة بعناية، وخلطات الشاي المصنوعة من الأعشاب المنتقاة بعناية، كلها وجدت طريقها إلى القلوب قبل أن تجد طريقها إلى الطاولات.
كتب أحدهم تقييمًا للمطعم على TripAdvisor: "تعال كضيف واطلع كصديق"؛ وهذه الجملة وحدها تساوي كل حملة تسويقية.
الحساب والشغف: درسان لا يستغني عنهما أي صاحب مشروع
تُقرّ ميساء بشيء نادرًا ما يعترف به أصحاب المشاريع الناجحة: الشغف وحده لا يكفي. "هذا بزنس زيّه زي أي بزنس بالأرض بده يمر بمراحل.. الحسبة لازم تكون مضبوطة."
خلفيتها الهندسية أنقذتها من مصاعب كثيرة، فكانت تعرف كيف تحسب التكاليف، وكيف توزّع المهام على الموظفين حتى لا يتضخّم الفريق دون داعٍ، وكيف تبقى القائمة مختصرة حتى تكون كل طبقة فيها مجرَّبة ألف مرة ومضمونة. "عندنا قائمة طعام قصيرة جدًا، لأنه ما فيها أخطاء أبدًا.."
مرّت عليها موجة كورونا، ثم حرب غزة، ثم الأزمة الاقتصادية. وفي كل مرة كان الإصرار أقوى من الظرف. "الحمد لله، we are still doing well."
نصيحة ميساء للحالمين: جازف، امشِ
حين سُئلت عن أهم قيمة مهنية، قالت بلا تردد: الالتزام. "ما بهمّني الشطارة، بقولهم مش مهم تعرف، أنا بعلّمك، بس لازم تكون ملتزم." في زمن يشكو فيه كثير من أصحاب المشاريع من شحّ الالتزام في الجيل الجديد، تبقى هذه الكلمة ثقيلة ونافذة.
ونصيحتها الأخيرة للمتابعين كانت عبارة واحدة كافية: "المجازفة طريق لتحقيق الأحلام." لن تسافر إلا إذا جازفت.. لن تفتح مشروعًا إلا إذا جازفت… لن تتغيّر إلا إذا قررت أن تتوقّف عن الانتظار.
خاتمة الحلقة
في نهاية كل حلقة من "على سيرة شغل"، تُقدم سالي تذكارًا لضيفها، لتختم الحلقة بأهم ما يمكننا تعلمه من حلقتها، والتي ننصحك بمشاهدتها على قناتنا على يوتيوب كاملة.
تعلمنا من قصة ميساء مقدادي أن الجرأة لا تعني غياب الخوف، وأن الظروف الصعبة قد تكون بابًا ذهبيًا لمن يجرؤ على فتحه، وأن حب الناس رزق حقيقي يعود إليك أضعافًا، وأن النجاح لا يُكتب دائمًا في خطط العمل، وأن حكاية الأرض والتراث نكهة لا تُشترى ولا تُستورَد، وإنما تُورَّث جيلًا بعد جيل.
المجازفة طريق لتحقيق الأحلام
حكايات الأرض والتراث نكهة لا تُشترى ولا تُستورَد.. لكنها تُورَّث جيلًا بعد جيل
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.