أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / بترا أورفلي: “الفن وصناعة الأثر” شغفٌ للتصميم وتمكين سيدات المجتمع

الحلقة 5: بترا أورفلي: “الفن وصناعة الأثر” شغفٌ للتصميم وتمكين سيدات المجتمع

بترا أورفلي - على سيرة شغل

بترا أورفلي

مؤسسة ومديرة تنفيذية @ Petra Orfali Boutique

مصممة أزياء أردنية وصاحبة علامة تجارية تحمل اسمها، تتميز بتصاميم مصنوعة بالكامل في الأردن. تمتلك بوتيكات في عدد من أبرز مراكز التسوق في عمّان، وتوفر خدمة الشحن لجميع أنحاء العالم.

كيف يمكن أن يتحوَّل الإبداع في تصميم الأزياء من مُجرَّد فنٍّ جميل إلى أداة حقيقية لصناعة الأثر في المجتمع؟ وكيف تصنع امرأةٌ واحدة من خيط وقماش وإصرار، طريقًا نحو التميُّز في عالم لم تكن تتخيله من قبل؟

في الحلقة الخامسة من بودكاست "على سيرة شغل" مع سالي، نستضيف مصممة الأزياء بترا أورفلي، المُبدعة التي لم تكتفِ بتحويل شغفها إلى فنٍّ يُلبَس، وإنَّما خلقت منه رسالةً تصنع أثرًا حقيقيًا في حياة عائلات بأكملها. قصةٌ تبدأ من حارة صغيرة وطفولة مفعمة بالفن، ولا تنتهي عند حدود توقُّعنا. فما هي تفاصيل هذه الحكاية؟

جذور تمتد إلى حلب... وأبٌ زرع البذرة

لا تبدأ قصة بترا أورفلي من محلٍّ أنيق في البوليفارد، ولا من حفل زفاف ملكي فاخر. بدأت حديثها عن مدينة "حلب"، تلك المدينة التي لم تعش فيها يومًا، لكنَّها سكنت روحها بذكريات طفولتها وذكرى والدها الراحل الذي كان فنانًا أيضًا وورثت منه حُب عالم الفن.

كانت حلب بالنسبة لبترا أكثر من مجرد موطن للجذور؛ كانت رمزًا لوالدٍ داعم، آمن بموهبة ابنته في وقتٍ كانت فيه الفتيات يُقنعن أنفسهن بالتراجع. وكانت هي، بجنسيتها السورية التي طالما رأتها عائقًا أمام أحلامها في الأردن، تجد في النهاية أنَّ هذا "العائق" لم يكن سوى ورقةٍ خاوية تستتر وراءها حين يضيق بها الطريق، وتغلق أمامها الأبواب.

نشأت بترا في مدينة عمَّان، في عائلة تحبُّ الفن وتعيش معه. وبين الزيارات الصيفية لحلب حيث الأهل والذكريات، وحياة عمَّان اليومية، نشأت بترا وهي تشعر بأنها تنتمي لمكانيْن مختلفين، كما تقول بابتسامةٍ تحمل الكثير من المعاني. لكنَّ هذا التنوع لم يكن ضعفًا، بل كان أحد أسرار غنى شخصيتها وعمق إبداعها.

الصفقة الأولى... في عمر العاشرة

قبل أن تعرف بترا معنى كلمة "ريادة الأعمال"، كانت قد مارستها فعليًا. في سنِّ العاشرة، أرادت شراء جاكيت بعينه، لكنَّها لم ترغب في طلب تكاليف إضافية من عائلتها، فقررت حينها قرارًا بسيطًا وجريئًا في آنٍ واحد: صنعت أساور من خيطان ملوَّنة، وأجبرت زميلاتها في المدرسة على شرائها.

لم تكن تبيع فقط، بل كانت تُسوِّق بأسلوب "المؤثرة" قبل أن يُخترع هذا المصطلح؛ ارتدت الأسورة أوَّلًا وجعلت الجميع يقلِّدنها، ثم باعت كل ما صنعته لتجمع المبلغ الذي كانت تحتاجه، وتشتري ما تريد.

لم تتوقف التجارة عند الأساور، فقد كانت بترا مع ابن عمتها في الحارة التي تقطن فيها يُنظِّمان مسرحيات صغيرة، ويفتحان دكانةً لبيع الحلوى للجيران مقطَّعةً وبأسعار مجزية. كانت تجاربٌ بسيطة، لكنَّها علَّمتها كيف تخلق حدثًا، وكيف تجذب الناس، وكيف تُحوِّل فكرةً صغيرة إلى قيمة.

سنوات التأسيس… بين التوجيهي والحلويات والحلم المؤجَّل

لم تكن طريق بترا مفروشةً بالورود. في سنوات الثانوية، مرَّت بظروف أسرية صعبة جعلتها تُعيد الثانوية العامَّة مرَّتين، في وقتٍ كان يبدو أن أحدًا لم يُولِ دراستها الاهتمامَ الكافي. لكنَّها لم تستسلم؛ بل استغلَّت تلك الفترة للعمل والتعلُّم، حتى إذا التحقت صديقاتها بالجامعة كانت هي قد اكتسبت ما لا تُعطيه الجامعات.

عملت عشر سنوات كاملة في شركة حلويات، وقد علمتها هذه الوظيفة الكثير من التفاصيل التي أفادتها فيما بعد لإدارة مشروعها، وترى أن هذه السنوات أضافت لها كثيرًا، وعلمتها الكثير من التفاصيل حول الإنتاج الضخم، وإدارة المطبخ ومصانع الحلويات، وغيرها الكثير.

في تلك الفترة، كانت بترا تحمل في قلبها حلمًا قديمًا: أن تدرس تصميم الأزياء في إيطاليا. ذهبت ذات يوم إلى والدها وطلبت تذكرة الطائرة فقط، قائلةً إنها ستُدبِّر أمورها هناك. لكنَّ الأب، بحرصه وخوفه على ابنته في غربة بعيدة، لم يقبل بذلك. فعادت بترا لتؤجِّل الحلم، لا لتتركه.

الشال الذي صنع العلامة... عام التحوُّل 2008

عام 2008 كان عام مرض الوالد وضيق الوقت وثقل الأحزان. كانت بترا تعمل ست أيام في الأسبوع من التاسعة صباحًا حتى السابعة مساءً، وتكرِّس عطلة نهاية الأسبوع لبناء مشروعها الخاص بهدوء وإصرار. في تلك الأيام، كانت موضة الحطات الملوَّنة السادة في أوجها، فقرَّرت بترا أن تصنع شيئًا مختلفًا: أضافت إلى الشالات العادية قطعًا فنية ونسيجًا ملوَّنًا بيدها، لتحوِّلها إلى لوحات يمكن ارتداؤها.

لم يفهم الجميع ما تفعله في البداية؛ قال بعضهم إن الشال يبدو وكأنه "لفَّة حمَّام"! لكنَّ بترا كانت تعرف قيمة ما تصنعه. كانت القطعة الواحدة تستغرق أسبوعًا كاملًا من العمل، فكيف تُساوي كلمةً طائشة ما بذلته من جهد وحب؟

أما الجواب؟

فقد جاء من حيث لم تتوقَّع، حيث لفتت إحدى شالاتها المصممة نظر مدير لشركة أمريكية عالمية، كانت ترتديه إحدى زبائنها في إفريقيا، فانبهر بقصة بترا وتفاصيل القطعة، وطلب التواصل معها. وهكذا أتى العرض الكبير الأول: كمية ضخمة من الشالات لتوزيعها في مطارات ورحلات الشركة. لكنَّ البهجة كانت مشوبةً بالذعر، فبترا كانت تعمل وحدها، دون طاقم إنتاج، ولا مشغل، ولا وقت كافٍ.

المشغل... حين يصبح العمل شراكةً لا صدقة

أمام تلك المعادلة الصعبة، لجأت بترا إلى صديقتها نورا التي نصحتها بالتواصل مع مؤسسة رواد التنمية، وهي مؤسسة تُعنى بتمكين سيدات المجتمع المحلي، وهناك وُلدت فكرة المشغل.

لكنَّ بترا لم تذهب إلى هذا المشروع بعقلية "المُحسِنة". تقول بوضوح تام: "أنا لا أدعم المجتمع المحلي، أنا أعمل معه. هؤلاء السيدات رأسمالي الحقيقي". جملةٌ واحدة تُلخِّص فلسفة بأكملها، وتفرِّق بين من يبني مشروعًا اجتماعيًا حقيقيًا ومن يمارس "الإحسان المُبرمَج".

لم يكن الطريق مُعبَّدًا بالورود، ففي المحاولة الأولى لفتح المشغل، وظَّفت أربع عشرة سيدة دفعةً واحدة. أخفقت بترا في إدارة هذا العدد الكبير، وتعترف بذلك بصراحةٍ ومن غير خجل: "فشلت فشلًا ذريعًا، لأنَّني لم تكن لديَّ الخبرة الكافية في قيادة فريق". عادت إلى الصفر، وقضت سنتين تتعلَّم وتُدرِّب في المحافظات المختلفة كالزرقاء وجرش ومأدبا، تتجاوز خجلها وخوفها، حتى أصبحت أكثر نضجًا وأعمق فهمًا.

في المحاولة الثانية، طلبت ست سيدات فقط، وكانت قد حددت الوقت والطاقة الاستيعابية التي تحتاجها بدقة، لتسلم الطلبية في الموعد المحدد. وعندما تقاضت الأجور وتبقَّى معها ما يكفي بنزين السيارة وفنجان قهوة، أخبرت أختها الكبرى بالقصة، وبكت فرحًا لا حزنًا أو ضيقًا. كانت سعيدة لأن هذا المشروع كان سببًا لمساعدة إحدى السيدات لشراء سرير لابنتها التي كانت تنام على الأرض. تقول:
"الفرحة كانت أكبر مما يستوعبه عقلي".

البوليفارد والانطلاقة الكبرى

مع نموِّ المشغل وتزايد الطلبيات، كانت بترا تبيع عبر الإنترنت ومحلَّات أخرى لا تملكها. ثم جاءها عرضٌ من إدارة البوليفارد بفتح محلٍّ بإيجار ألف دينار شهريًا. رفضت أوَّلًا؛ الجنسية السورية، ومتطلَّبات تسجيل الشركة، والالتزام طويل الأمد، كلُّها كانت أسبابًا للتراجع. لكنَّ الإدارة أصرَّت وعرضت شهرين مجانيَّين مقابل العمولة.

قبلت بترا، وفي شهرين فقط تضاعف دخلها خمس مرات. أدركت حينها أن البيع المباشر للعميل هو عالم مختلف تمامًا؛ يمنحك ردَّ الفعل الفوري، ويُلزمك بالتجديد والابتكار، ويصنع من المحلِّ منصَّةً حيَّةً لا صفحةً رقمية باردة. تقول بترا: "لما بكون موجودة بنفسي وبشرح للناس.. الأمر مختلف كليًا".

بعد سنةٍ كاملة من التجربة، سجَّلت شركتها رسميًا وافتتحت محلَّها في البوليفارد بعقدٍ لخمس سنوات، ثم جدَّدته لخمسٍ أخرى.

حين دقَّ هاتف الديوان الملكي

لم تكن بترا تتوقَّع يومًا أن تأتيها مكالمة من جهةٍ منظِّمة تعمل لصالح الديوان الملكي الهاشمي، حيث طُلب منها تصميم أزياء لخمسمائة وخمسين شخصًا ضمن حفلٍ رسمي مرتبط بحفل اليوبيل الفضي في المملكة الأردنية الهاشمية. السؤال جاء مختصرًا: "تستطيعين أم لا؟". أجابت بترا بكلمة واحدة: "نعم".

استغرق المشروع ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، مع بحثٍ معمَّق في التراث الأردني من نسيجٍ ومطرَّزات ونقوش، أجرته بترا بنفسها متنقِّلةً بين المصانع والمحافظات والمراجع. لم تكن هذه مجرَّد طلبية، بل كانت شهادةً على أن الهوية الأردنية يمكن أن تتجلَّى في ثوبٍ يُرتدى بفخر أمام العالم.

حين سُئلت عن مشاعرها وقتها، أجابت بصدقٍ نادر: "ما استوعبت الي صار إلا بعد أشهر"؛ فقد كانت منغمسةً في تفاصيل التسليم حتى النهاية، حتى إنَّ إحدى الشركات أرسلت الأزياء إلى الغسيل بدلًا من التنظيف الجاف، فمُحِيَت الأسماء المكتوبة على كل قطعة. لكنَّ بترا بدل أن تنهار، تماسكت واستطاعت حل المشكلة بالتعاون مع زميلاتها وفريق عملها.

حلمٌ خلف الجدران... مراكز الإصلاح والتأهيل

قبل كل هذا النجاح، كانت بترا تحمل في صدرها حلمًا غريبًا يبدو لأوَّل وهلة بعيدَ المنال: أن تُدرِّب سيدات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل. حلمٌ يولد أحيانًا من فكرةٍ عابرة، ويمكث سنواتٍ يتحيَّن الفرصة.

الفرصة جاءت بعد سنواتٍ من الانتظار، حين تذكَّرتها صديقة تعمل مع وكالة ألمانية في تطوير برامج التأهيل. وفي اليوم الذي علمت بترا بالخبر، لم تنم أربعة أيام من شدَّة الفرح. "أربعة أيام كاملة لم أنم من الفرحة"، تقول وفي صوتها مشاعر حقيقية.

كانت التجربة مؤثِّرة على أكثر من مستوى، فقد رأت بترا كيف يتعامل أفراد الأمن مع النزيلات بإنسانيةٍ عالية، فتعلَّمت منهم درسًا في الرقيِّ الإنساني. ورأت كيف أن المرأة حين تُمنح مساحةً للإبداع، تتجاوز التعليمات المُحدَّدة وتصنع شيئًا أجمل. "لما أعطيتهم حرية الاختيار، جاءت النتائج أفخم مما طلبت"، تقول بحماسٍ واضح.

دروسٌ من سبعة عشر عامًا

حين سألتها سالي عن أبرز ما تعلَّمته على مدى سبعة عشر عامًا من العطاء والكفاح، هذا أهم ما نصحت به:

  1. لا تتوقَّف عند أوَّل عثرة: الفشل ليس نهايةً بل محطَّة، ومن يتوقف عن المحاولة عند الخطأ الأول لن يصل أبدًا.
  2. العطاء حل لا خسارة: حين تعطي بنيَّةٍ صادقة، يعود إليك العطاء مضاعفًا؛ لكنَّ العطاء الحقيقي لا يشترط المقابل.
  3. التحديات دروسٌ يجب أن نستغلها: كلُّ باب أُغلق في وجهها كان يخفي خلفه أبوابًا لم تتخيَّلها.
  4. الاحترام أساس كل شيء: احترام الذات، والوقت، والعلاقات القيمة الأهم في حياة الإنسان؛ فحين يغيب الاحترام تغيب إمكانية الاستمرار.

أثر وبصمة خالدة

لم تتوقَّف أحلام بترا عند ما حقَّقته. تحدَّثت عن رغبةٍ عميقة في فتح مدرسة تدريبية مهنية مجانية، تجمع بين التعليم الأكاديمي والمهنة العملية، ليحملها الأبناء عن الآباء، ويورِّثها جيلٌ لجيل. مدرسةٌ لا تُخرِّج خرِّيجين فحسب، بل تُخرِّج أثرًا يبقى بعد أصحابه.

تُعلمنا قصة بترا أن النجاح يعني إصرارًا والتزامًا، وأن الشغف حين يتقاطع مع العطاء والإرادة يصنع المستحيل، وأن ترك الأثر ليس صعبًا إذا كان بِنية العطاء الصادق وتمكين المجتمع ومساعدة المحتاج.

رُبما هذه كانت خلاصة ما تعلمناه من حلقة بترا، ولكن ننصحك بمشاهدة الحلقة كاملة للاستماع لتفاصيل حكاية هذه الشخصية المُلهمة، تجدها في هذا الرابط. 

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.