العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول المتوسطة تناقش الأشياء، أما العقول الكبيرة فتناقش المبادئ.
صلاح العقبي
مالك ومؤسس @ الشركة الأردنية لصناعة الطباشير
رائد أعمال أردني ومؤسس الشركة الأردنية لصناعة الطباشير في الكرك، حوّل مشروعه من إنتاج محلي بسيط إلى ثالث أهم مصنع للطباشير عالميًا. بدأ من قرية نائية ليوصل منتجاته إلى أكثر من 150 دولة، متسلحًا بخلفيته في الهندسة الكيماوية
ثَمَّة قصص تُقرَأ فتمرّ كسواها، وقصص أخرى تدخل القلب فلا تغادره. قصة المهندس صلاح عبد الكريم العقبي من النوع الثاني؛ قصة رجل لم يرث شيئًا سوى عزيمة لا تُقهر، ووالدٍ علّمه أن يكون الأول دائمًا، وقريةٍ صغيرة في أحضان الكرك أنجبت رجلًا ذكيًا قوي الإرادة ناجحًا!
اليوم، حين يُذكر اسم "الشركة الأردنية لصناعة الطباشير"، يُذكر معه اسم صلاح العقبي؛ المدير العام الذي بنى واحدةً من أكبر شركات تصدير الطباشير في العالم، لتطرق منتجاتها أبواب أكثر من مئة وخمسين دولة، من نيوزلندا شرقًا إلى الأرجنتين غربًا. لكن قبل كل هذا المجد، كان هناك طفلٌ خائفٌ من أول يوم في المدرسة، وشابٌّ يعدّ الأيام بقطعة بلاستيك ليتحمّل وجع الغربة، ومهندسٌ فُصل من عمله تحت وطأة الظهيرة في غور الصافي، ومؤسِّسٌ رهن بيت أهله وبيت صاحبه ليُطارد حلمًا سخر منه الجميع.
هذه ليست مجرد قصة نجاح؛ فقصته درسٌ لنا في معنى الإنسان. فما هي تفاصيل الحكاية التي سردها لنا في الحلقة السادسة من بودكاست "على سيرة شغل" مع سالي؟! تابع القراءة لتعرف أكثر.
الجذور: قرية مطل الموجب وعهدٌ للأب
وُلد صلاح العقبي عام 1972 في قرية مطل الموجب، إحدى قرى محافظة الكرك الجنوبية، في مكانٍ لم يكن يعرف الكهرباء ولا الطرق المعبّدة، حيث كانت الدراسة تعني المشي خمسة كيلومترات يوميًا ذهابًا وإيابًا، وكانت الحياة تُقاس بما تُنجزه قبل أن تغيب الشمس.
لم يكن صلاح طفلًا يُحب المدرسة؛ يقرّ بذلك بكل صراحة ودون مواربة، بل يقول إنه لا يزال حتى اللحظة لا يستعذب سؤال "كيف المدرسة؟" حين يُوجَّه إلى الأطفال. غير أن ثمة لحظةً واحدة غيّرت مسار حياته كلها، لحظةً لا تزيد على دقائق لكنها حملت من الثقل ما لا تحمله السنين.
كان يوم توزيع شهادات الفصل الأول من الصف الأول الابتدائي. عاد أبناء عمه وزملائه وآباؤهم يتبادلون الفرح والمباهاة بالعلامات، ثم وجد صلاح نفسه أمام أبيه. لم يكن الأب غاضبًا ولم يصرخ، لكن صلاح رصد في عينَيه شيئًا أشدَّ وقعًا من الغضب: خيبةً مكبوتةً يحاول الرجل أن يُخفيها كي لا يجرح مشاعر ابنه. تلك اللحظة الصامتة فعلت ما لا تفعله ألف موعظة.
منذ تلك اللحظة، قطع صلاح على نفسه عهدًا راسخًا لم يحنث به حتى اليوم: "أن يكون رقم واحد في كل شيء يكون فيه دائمًا." ومن الفصل الثاني ابتداءً، لم يكن الغذاء ولا اللعب يسبقان الواجب المدرسي، ولم تكن الشمس تغرب على درسٍ لم يُتَم.
الغربة: من الكرك إلى إربد ومن الخجل إلى الانطلاق
حين اقتربت نتائج التوجيهي، كان أقران صلاح يتسابقون للتقدم إلى جامعة مؤتة، والحجة وجيهة: دراسة مجانية، وراتبٌ ينهي همّ الأهل، وأمانٌ وظيفي مُبكّر. لكن والد صلاح، ذلك الرجل الذي رأى ما تصنعه المدينة بالإنسان، رفض بهدوء الواثق، وطلب من ابنه مغادرة الكرك للعاصمة عمان، ليرى حياة المدينة وعالم مختلف وحياة اجتماعية متنوعة أكثر.
لم يقتنع صلاح، وامتد الجدال بين الأب وابنه من الساعة الثانية ظهرًا إلى ما بعد العصر، حتى لجأ الأب إلى ما لم يعهده أهله منه طوال حياته: ضربةٌ بالحذاء، كانت في حقيقتها أعمق رسالة حبٍّ تلقّاها صلاح في حياته. يقول اليوم وهو يضحك: "لولا ذاك الحذاء ما كنت أمامك ولا بهذا الوضع."
سافر صلاح إلى إربد، والتحق بكلية الهندسة الكيميائية في جامعة العلوم والتكنولوجيا. في الأسابيع الأولى، كان يعدّ الأيام بقطعة بلاستيك صغيرة يضع عليها علامة كل يوم يمرّ، وكان الحنين يثقل صدره حتى ليكاد يُطيح بكل شيء؛ لكن الله يُدبّر ما لا يُدبّره الإنسان لنفسه.
تعرّف في سنوات دراسته على صديقَين غيّرا مسار تفكيره: موفق الذي فتح له باب الغرفة والحياة، وعصام الماليزي الذي جاء من الجانب الآخر من الكرة الأرضية ليُعلّمه أن الشهامة والكرم ليسا حكرًا على قوم أو مكان، بل هما خُلُقٌ إنساني خالص.
وكان بين أساتذته من ترك فيه أثرًا لا يمحوه الزمن؛ الدكتور عصام، الذي كان يُعطي امتحاناتٍ مفتوحة الكتاب لكن أسئلتها تفوق المئة بالمئة، ولم يكن يقيس المعلومات بل يقيس طريقة التفكير. كان يُعلّم طلابه أن ربع الوقت للفهم، وربعه للتخطيط، وربعه للتنفيذ، وربعه للتقييم، وأن التنفيذ بلا تخطيط ليس إنجازًا بل بعثرة؛ فيما يحمل صلاح هذه المعادلة اليوم في كل قرار يتخذه.
بدايات العمل: 150 دينارًا وحلمٌ يتشكَّل في الباص
تخرّج صلاح مهندسًا كيميائيًا، وبدأ مسيرته المهنية في شركة الكربونات الأردنية براتب مئةٍ وخمسين دينارًا، يخصم منها الضمان الاجتماعي ليُعطي والده اثنين وأربعين دينارًا ونصفًا، ويبقى له الباقي يُدير به حياته كاملة. كان في ذلك ضيقٌ ماديٌّ حقيقي، غير أنه يتذكر تلك الأيام بابتسامة دافئة: "كانت فيها بركة."
ذات خميس، كان صلاح عائدًا إلى الكرك في باص خط الجنوب، والراديو يبثّ لقاءً مع صاحب الشركة التي يعمل فيها. تحدّث في اللقاء عن الكربونات وصناعاتها، ثم ذكر نوعًا واحدًا من المنتجات غير موجود في الأردن: الطباشير. 95% من مكوناته كربونات كالسيوم، وهو ما يزخر به الأردن، ومع ذلك يستورده من الخارج.
في تلك اللحظة، وفي منتصف الطريق بين عمّان والكرك، وُلدت فكرة ستأخذ سنوات حتى تُصبح واقعًا، لكنها لن تغادر رأس صلاح ولو للحظة واحدة.
الفصل التعسفي: الجرح الذي صنع مبدأ
لم يكن طريق صلاح مفروشًا بالورود؛ بعد سنوات في الكربونات، انتقل إلى شركة ناشئة تحت التأسيس براتبٍ أقل بثلاثين دينارًا، لأن فيها ما لا يجده في أي مكان آخر: فرصة أن يرى كيف تُبنى الشركة من الصفر.
لكن في يومٍ من صيف عام 1997، وتحت شمس غور الصافي التي كانت تتجاوز الخامسة والأربعين درجة، جاءه مراسلٌ قبل نهاية الدوام بساعة يحمل كتابًا يستند إلى المادة السادسة عشرة من قانون العمل الأردني: إنهاء الخدمات.
مشى صلاح خمسة عشر كيلومترًا تحت تلك الشمس الحارقة، لم يشرب فيها قطرة ماء، وكان في قلبه ما هو أثقل من العطش. يقول: "عندما يُسقط الناس أهواءهم على مصدر قوت إنسان، فليعلموا أنهم يُحطّمون إنسانًا من الداخل."
غير أن والده، حين أخبره ما جرى، لم يُواسِه بكلمات ناعمة؛ قال له بلا مداراة: "إذا مع أبوك ما تعرف تتفاهم، كيف تتفاهم مع مديرك؟" كانت جملةً موجعة، لكن صلاح اعترف بصدق: "نعم، كان فيها غلط من عندي."
ومن رحم تلك المرارة، وُلد مبدأٌ لا يزال صلاح متمسكًا به في كل شركاته حتى اليوم: لا يُفصل موظفٌ واحد إلا بالرجوع إليه شخصيًا.
الحلم يتشكَّل: رهن البيوت وبداية المصنع
بعد أشهر من البطالة القاسية، وجد صلاح طريقه إلى شركة البوتاس العربية حيث كان راتبه مئةً وخمسين دينارًا مجددًا. وفي أول راتب استلمه، ذهب مباشرةً إلى المكتبة واشترى أصابع طباشير. كانت تلك رمزيةً بالغة الدلالة، يقول: "لن أسمح لأحد بعد اليوم أن يتحكم في رزقي."
بدأ يدرس الفكرة بمنهجية الدكتور عصام نفسها: ثلاثة أشهر للدراسة الفنية، وثلاثة للجدوى الاقتصادية، وثلاثة لآليات التنفيذ، وثلاثة لمصادر التمويل. زار كل مَن حاول قبله في الأردن وفشل، ليتعلم من فشلهم قبل أن يُخطئ أخطاءهم.
حين استقر قراره، ذهب إلى صاحبه عمر هلسة وطلب منه الذي لا يجرؤ كثيرون على طلبه: رهن بيته ضمانًا للقرض. وبلا تردد يُذكر، قال له عمر: "توكل على الله.."
ثم جاء الأصعب: إقناع والده برهن بيت العائلة. يصف صلاح تلك اللحظة: "كان لديّ مئة وعشرون ثانية فقط لأطرح أكبر قضية في حياتي." جلس أمام أبيه الذي كان يصنع القهوة، وشرح له الفكرة بإيجاز، ثم قال: "في مشكلة"، فسأله: "ايش؟"، فقال: "الدار."
صمتَ الأب، ثم قال: "توكل على الله.."
كانت كلمةً واحدة، لكنها كانت تعني: أنا معك يا بني على كل ما تبنيه.
ألفا محاولة وفجرٌ واحد
وصلت الماكينات من بريطانيا في مارس 2003، وبدأ المصنع يعمل. جاء أول عطاء من وزارة التربية والتعليم، وفازوا بجزء منه. ثم جاء الضربة التي لم يتوقعها أحد: قرّرت وزارة التربية أن تستبدل الطباشير الجبسية القديمة بطباشير كربونات الكالسيوم الطبية؛ النوع الذي لا تُنتجه في العالم كله سوى فرنسا وكوريا، والذي يكلّف الوزارة ما لا تُغطيه ميزانيتها.
قال لموظف الوزارة بصراحة: أنتم طلبتم مصنع طباشير جبسية، والآن تطلبون طباشير طبية لم يصنعها في الأردن أحد، وثمنها بالملايين.
كان بإمكانه أن يتوقف، كان بإمكانه أن يُقنع نفسه بأنه بذل ما يكفي؛ لكن شيئًا في داخله رفض ذلك برمّته.
بدأ البحث والتطوير، محاولةً بعد محاولة، يومًا بعد يوم، تحت ضغط الديون ورهن البيوت وسخرية الناس. يعمل من الساعة الثالثة فجرًا، يجرّب، يفشل، يُسجّل، يُفكّر، يعود. وحين يُكسر إخوته من الإنهاك، يجد في نفسه طاقةً لإعادة بناء معنوياتهم، لأنه كان يرى ما لا يرونه: نهاية النفق.
في الساعة الثالثة من فجر يومٍ في عام 2007، بعد (2149) محاولة بالتمام والكمال، أجرى اختبارًا أخيرًا وأمسك الطباشير ورسم بها على السبورة. لم تُغبّر. لم تنكسر. ورسمت خطًّا أبيض نظيفًا.
اتصل بأخيه فهد الساعة الثالثة فجرًا، وقال له كلمتين: "أقلعت. أقلعت."
فرانكفورت: حين يُصبح الحلم جغرافيا
في معرض فرانكفورت الدولي للقرطاسية، أحد أكبر معارض العالم الذي يستقطب خمسةً وسبعين ألف زائر في خمسة أيام وتُشارك فيه 2,500 شركة من كبرى شركات العالم، وقف صلاح العقبي بكتالوجه الصغير خلف طاولته المتواضعة.
كان يشعر بالخوف، لكنه لجأ إلى سلاحه الأقدم: الاستغفار. ويحكي بابتسامة: "قلت استغفروا الله يُرسل السماء عليكم مدرارًا، فكانوا فعلًا مدرارًا."
في ذلك اليوم وحده، التقى ما بين خمسةٍ وثلاثين إلى أربعين شخصًا من سبع دول مختلفة. وكان أولهم مدير شركة بوتزول الألمانية، الذي دخل وفتح الكتالوج وتوقّف عند الطباشير. ولا يزال هذا الرجل زبونًا وفيًّا حتى اليوم.
من تلك اللحظة، انطلق المصنع إلى العالم. من نيوزلندا إلى الأرجنتين، من كرواتيا إلى إسبانيا إلى أفريقيا وما بعدها. طباشير أردنية، صُنعت في الكرك، ببيت مرهون، وأكثر من ألفَيْ محاولة، وفجرٍ واحد في عام 2007.
الدروس: خلاصة الرحلة
تحمل رحلة صلاح العقبي دروسًا لا تُعلَّم في الجامعات ولا تُكتَب في الكتب، بل تُكتَب بالدم والعرق والسنوات:
- أولًا: الفشل ليس النهاية؛ الفشل هو الطريق نفسه: ألفا محاولة تعني أن المحاولة القادمة قد تكون هي النجاح.
- ثانيًا: الأمان الوظيفي سراب: الأمان الحقيقي أن تبني من نفسك قيمةً لا يستطيع أحدٌ انتزاعها منك.
- ثالثًا: الجرح الذي يُصنع منه المبدأ أعمق من الجرح الذي يكسر: درس الفصل التعسفي علّم صلاح شيئًا حمل به موظفيه طوال عقود.
- رابعًا: النجاح يحتاج جَلَدًا لا عبقريةً: الفرص لا تجيء للمنتظرين بلا عمل، بل لمن يعمل على نفسه ومهاراته وهو ينتظر.
- خامسًا: الاحترام هو ما يبقى: قد يذهب الحب، وقد تتغير المواقف، لكن الاحترام هو البنية التي لا تسقط.
الخاتمة
"العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول المتوسطة تناقش الأشياء، أما العقول الكبيرة فتناقش المبادئ.." هذا ما كتبه صلاح العقبي رسالةً وأثرًا له حين طلبت منه سالي في ختام حلقة البودكاست كتابة بصمته ورسالته التي يريد تركها في هذه الحياة لمن بعده.
صلاح العقبي قصة رجل كان مستعدًا للفرصة، واقتنصها في اللحظة المناسبة، حمل رسالته للعالم أجمع، ورسم بإنتاجه للطباشير للمرة الأولى في الأردن خريطة تعرفها اليوم 150 دولة!
استمع إلى الحلقة الكاملة في بودكاست "على سيرة شغل" مع سالي أبو علي - الموسم الثاني، الحلقة السادسة.
قلت استغفروا الله يُرسل السماء عليكم مدرارًا، فكانوا فعلًا مدرارًا.
عندما يُسقط الناس أهواءهم على مصدر قوت إنسان، فليعلموا أنهم يُحطّمون إنسانًا من الداخل.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.