الإنسان لازم يرجع لبداياته وما ينسى كيف بدأ، لأن الجذور مهمة، وإنك تعرف جذورك يخليك تثبت موقعك أكثر وأحسن وأفضل.
أيمن مزاهرة
الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي @ STS
المهندس أيمن مزاهرة هو الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إس تي إس (STS)، المزود الرائد لحلول التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات في الأردن والشرق الأوسط، والتي أصبحت إحدى شركات "زين تك" (ZainTECH). قاد "مزاهرة" شركة STS منذ تأسيسها، حيث ساهم في نموها وتوسعها لتصبح واحدة من أبرز الشركات في قطاع التكنولوجيا وتكامل الأنظمة على مستوى المنطقة
في عالم الأعمال المعاصر، حيث تُحكِم العقود والبنود القانونيَّة قبضتها على كل شراكة، يبدو استمرار شركة لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا بين ثلاثة شركاء دون عقد يُحدِّد الصلاحيات ويضبط التوقعات، أمرًا أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع. غير أنَّ قصة المهندس أيمن مزاهرة أبو زيد، الشريك المؤسس لشركة STS، تثبت أنَّ الثقة حين تكون مطلقة، تغدو أمتن من أي نص مكتوب، وأن القيم حين ترسخ في ثقافة مؤسسة، تصنع إرثًا يتجاوز الأرقام والأرباح.
خصصنا هذا المقال لنلخص مسيرة مهنية امتدت سنوات طوية في رحلة استثنائية بدأت في أروقة الوظيفة الحكومية، ومرّت بصدمات اقتصادية وحروب وأزمات مالية، لتنتهي باستحواذ دولي على شركة أصبحت الأكبر في قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن، لتحمل لنا قصة ضيفنا في الحلقة الأخيرة في بودكاست على سيرة شغل مع سالي دروسًا حيّة لكل رائد أعمال، وكل موظف يحلم بتأسيس مشروعه، وكل قائد يُؤمن بأنَّ الإنسان يسبق الرقم. فما تفاصيل هذه الرحلة؟ تابع القراءة لتعرف أكثر.
الجذور العسكرية: حين يصنع الانضباط قائدًا
لا يمكن فهم شخصية أيمن مزاهرة بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها، فقد كان ابنًا لضابط في القوات المسلحة الأردنية، نشأ في معسكر الضباط بمدينة الزرقاء، ودرس في مدارس أهلية ثم في مدرسة الثورة العربية الكبرى العسكرية التي كان يُدرّس فيها ضباط من الجيش، لتترك هذه البيئة أثرًا كبيرًا في طبيعته الشخصية والمهنية.
يروي أيمن أن أبلغ درس تلقّاه كان في لحظة عادية، وذلك حين تأخّر خمس دقائق عن موعد الغداء الأسري. يقول مُعلِّقًا على ما أعقب تلك اللحظة من موقف والده: "أعطاني محاضرة في قضية الوقت، محاضرة قاسية جدًا وبصوت مرتفع: أنت ما احترمت اليوم كل الأشخاص الذين على الطاولة. احترام الوقت هو احترام للناس."
منذ تلك اللحظة، أصبح الوقت بالنسبة لأيمن التعبير الأول والأخير عن الاحترام والمهنية، وليس مجرد أرقام على ساعة. وهو درس حمله معه طوال مسيرته، وانعكس على ثقافة الشركة التي أسسها لاحقًا، وعلى علاقته بموظفيه وشركائه وعملائه.
يُضاف إلى ذلك أنه الابن البكر في عائلة من تسعة أفراد، وهو ما منحه "فق تعبيره" تربية مزدوجة: اهتمام مكثّف من الوالدين، ومسؤولية القدوة المُلقاة على عاتق الكبير. هذا المزيج رسّخ في شخصيته صفتَي الصبر والهدوء اللتين أصبحتا توقيعه الشخصي في بيئة العمل: "التربية والمصاعب التي مررت بها علّمتني أكون هادئًا، وعلّمتني أن الحياة بيمر فيها الإنسان بمصاعب كثيرة."
من الدراسة في أمريكا إلى الوظيفة الحكومية: طريق لم يكن مستقيمًا
تخرّج أيمن بدرجة الهندسة الكهربائية (تخصص الرادارات والميكرويف) من جامعة San Diego State في كاليفورنيا، متأثرًا بطبيعة عمل والده في سلاح اللاسلكي. عاد إلى الأردن استجابةً لإلحاح والدته، ليبدأ حياته المهنية موظفًا في شركة المواصلات السلكية واللاسلكية (التي أصبحت لاحقًا شركة الاتصالات الأردنية).
لكن روح المبادرة التي زرعتها فيه سنوات الدراسة في أمريكا لم تتحمّل قيود الوظيفة الحكومية طويلًا. التقط الفرصة حين وجدها، فانضمّ بشكل سرّي إلى شركة حاسوب خاصة بشكل جزئي في البداية، يعمل صباحًا في الحكومة ومساءً في الشركة. حين انكشف الأمر لوالده، وقف الابن أمامه بصراحة تامة: "بما إنك سألت، لازم أجاوبك الصح. أنا هيك عملت."
لحظة من المواجهة الصادقة، لكنها كشفت عن ملمح شخصي سيتكرر كثيرًا في مسيرة أيمن: الصدق ولو كان مكلفًا، والشجاعة على قول الحق حتى حين يكون غير مريح.
ميلاد STS: الفكرة التي وُلدت من القلق وترعرعت بالثقة
في عام 1989، وبعد نحو تسع سنوات من العمل في شركة NCS (الشركة الوطنية للحاسبات الإلكترونية)، تحوّلت فكرة التأسيس من حلم مُؤجَّل إلى واقع ملموس. كان القلق من مصير الشركة بعد استحواذ بنك البترا عليها، وما تبع ذلك من أزمات، هو الدافع الخارجي. أما الدافع الداخلي، فكان حلم قديم جمع أيمن وشريكه همام المفتي: "أتذكر مرة حكيناها: إحنا يوم من الأيام لازم يكون لنا شركة خاصة. وحتى حددنا أنه لما يصير عمرنا خمسة وثلاثين سنة لازم نبلش."
القرار لم يكن سهلًا. كان لأيمن وقتها ولد وبنت في سن الدراسة، ومسؤولية أسرية تثقل الكاهل. لكن الدعم جاء من حيث لا يُتوقع دائمًا، من رفيقة الدرب: "زوجتي، أم زيد، سألت مليون سؤال وقتها، لكن جوابها بالأخير كان: إذا أنت مقتنع وأنت شايف إن المستقبل مشرق وفيه أمل، أنا معك مية بالمية."
وفي أول يوم عمل، أهدته لوحة خشبية صغيرة نقشت عليها: "When there's a will, there's a way"، ولا تزال تلك اللوحة ترافقه حتى اليوم، شاهدةً على بداية بسيطة وحلم كبير.
الضربات المتتالية: كيف يصمد من لا يعرف الاستسلام
لم تكد STS تنطلق حتى واجهت اختبارات وجودية متتالية: تعويم الدينار الأردني فجأةً، فتضاعفت أسعار قطع الغيار المستوردة. ثم اندلعت حرب الخليج الأولى عام 1990، فانقطعت خطوط الاستيراد وتراجع الطلب. في مرحلة ما، كان المنطق يقول: ارجع إلى بيتك وعملك. لكن أيمن ورفيقاه اختاروا المضي: "أعتقد أن جزءين أبقانا: الأول الكبرياء، كيف أفشل أمام زوجتي وأهلي؟ والثاني قناعة راسخة أننا قادرون على النجاح. وهذه القناعة كانت ضرورية لتجاوز مصاعب كثيرة."
ومن أجمل محطات الصمود تلك القصة التي رواها عن لجنة زارت مكتبهم الصغير، والذي لا تتجاوز مساحته مئة وعشرون مترًا مربعًا وثلاثة مكاتب، لتقييم عرضهم على عطاء صيانة. الشريكان كانا في سفر، وأيمن وحده يواجه اللجنة. رُفضوا في البداية بسبب صغر الحجم. لكنهم عادوا بعد سنوات، ووقف أيمن أمام اللجنة بثقة قائلًا: "إذا الشركات الصغيرة ما تعطوها فرصة، متى بدنا نبني؟ متى بدنا نعطي مجال للشباب؟ المعيار هل هو عدد الموظفين أم عدد الكراسي؟ في خبرة ومعرفة."
وهذا المبدأ، "لا تقبل الرفض" أو كما يعبّر عنه بالإنجليزية: Don't take no for an answer؛ أصبح أحد أبرز القيم التي يُعلّمها أيمن لأبناءئه وموظفيه.
سرّ الشراكة: ثقة بلا عقد لخمسة وثلاثين عامًا
الشراكة بين أيمن مزاهرة ورمزي الزين وهمام المفتي تُعدّ ظاهرة نادرة في عالم الأعمال العربي. ثلاثة شخصيات مختلفة تمامًا: رمزي صاحب الرؤية الاستراتيجية البعيدة، وهمام المتقن لتفاصيل الأرقام والعطاءات، وأيمن الجسر الإنساني المتصل بالموظفين والمتوازن بين الرؤية والتفاصيل. هذا التكامل لم يكن صدفة، بل كان محصّلة قيمة واحدة راسخة: "الثقة المطلقة.. عمرها ما كانت النسب لها علاقة بكيف إحنا بنتعامل مع بعض. وعمرنا ما حدا منا حمل واحدًا مسؤولًا عن خطأ.. الخطأ خطأنا كلنا، والنجاح نجاحنا كلنا."
ثمة ثلاثة أسرار مكّنت هذه الشراكة من الصمود خمسة وثلاثين عامًا:
أولًا: عدم السماح لأحد بالدخول بينهم، فقد كانت هناك محاولات لزعزعة الثقة، لكنها لم تنجح.
ثانيًا: فصل النسب عن الصلاحيات: النسب المسجّلة في التجارة شيء، والتعامل اليومي شيء آخر تمامًا، ولم تُناقَش النسب ولم تُطرح قط على طاولة القرار.
ثالثًا: احترام التخصص؛ فكل شريك أعطى المجال الكامل لصاحبه في مجال قوته، دون منافسة داخلية أو تقاطع سلبي.
الموظف في صميم ثقافة الشركة
من أبرز ما يميّز تجربة STS هو النظرة إلى الموظف لا باعتباره تكلفة تُدار، بل رأسمالًا يُبنى ويُستثمر. يقول أيمن بلا تردد: "موظفونا هم سمعتنا. الجو الذي كان موجودًا في STS لا يزال موجودًا حتى اليوم."
هذه الفلسفة لم تكن كلامًا في العلن فحسب، كنا نطبق هذه الفلسفة يوميًا في بيئة عمل الشركة. على مدى خمسة وثلاثين عامًا، لم يتأخر راتب موظف يومًا واحدًا، حتى في أصعب الأزمات المالية، حين كان الشركاء يضخّون من جيوبهم الخاصة لإبقاء الشركة صامدة. ويعلّل أيمن هذا الموقف بعمق: "الموظف عنده عائلة وعنده التزامات. إذا أخّرنا راتبه حتى أسبوع، نحن نربكه. وكيف نتوقع منه إنتاجية وهو قلق على كيف يؤمّن حياته؟"
وعلى صعيد القيادة، كان أيمن أول من يصل في الصباح وآخر من يغادر مساءً تجسيدًا لمبدأ القدوة الذي يؤمن بهن فيقول: "لازم أكون المثل الأعلى لموظفيني في الالتزام والإخلاص للعمل. كيف أطلب منهم يجوا على الدوام، وأنا في العاشرة في البيت؟"
من الصيانة إلى التوسع الإقليمي: رحلة النمو المدروس
بدأت STS شركة صيانة متخصصة بمفهوم TPM (Third Party Maintenance)، مستثمرةً خبرة مجمّعة تزيد على ثلاثين عامًا للمؤسسين الثلاثة. ثم جاءت مايكروسوفت نقطة التحوّل الأولى مطلع التسعينيات، وهي وكالة رأى فيها رمزي إمكانيات بعيدة حتى قبل أن تثبت مايكروسوفت نفسها في الأسواق العربية. تبعتها وكالات ديل وسيسكو وأوراكل وسواها من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية.
ومع دخول الألفية الثالثة، كان الحلم الإقليمي يستدعي التجسيد: دبي عام 2000، السعودية 2008، البحرين 2009، وأربيل في العراق بين 2015 و2016. وفي كل محطة، كان الحضور الشخصي للشركاء ضرورة وليس خيارًا.
الفشل درسٌ لا عقوبة
في شجاعة نادرة، يتحدث أيمن عن إخفاقَين حقيقيَّين: تجربة وكالة أبل التي لم تنجح لعدم التوافق مع فلسفة الشركة، وتجربة متجر بيع بالتجزئة (Showroom) انتهت بخسائر واضحة. الموقف منهما ليس دفاعيًا بل تعليميًا: "اعمل الذي أنت تفهمه وتعرفه. مش كل شيء أنت قادر عليه. لو ما فشلنا ما قدرنا نكمل. الفشل مش جريمة ولا خطأ.. الخطأ إنك تستسلم."
الاستحواذ: ختامٌ بهيّ لمرحلة وليس نهاية لحكاية
بعد خمسة وثلاثين عامًا، جاء الاستحواذ الدولي الكامل على STS محطةً أخيرة في مسيرة أيمن المؤسسية. لكن الرجل الذي قضى عمره يضع الموظف في قلب قراراته، لم يغيّر طبيعته في اللحظة الأصعب: "أهم شيء بالنسبة لي كان أن أؤمّن مستقبل الموظفين. كنت أبذل كل جهدي للمحافظة على استقرار الشركة وطمأنينة الناس."
وفي رسالة شريكه همام المفتي، التي قُرئت خلال اللقاء، ما يلخّص جوهر هذه الشراكة الاستثنائية بعبارات تحمل ثقل خمسة وأربعين عامًا من الرفقة: "لم تكن تلك زمالة عمل، بل كانت علاقة عائلية تزاورنا فيها وتقاسمنا العيش والملح. لم يكن ذلك ليحصل لولا جهود الشركاء والموظفين وتفانيهم في وضع مصلحة الشركة فوق أي اعتبار، مع الالتزام العميق بالمبادئ والعمل الشريف ونظافة اليد."
قيم العمل السبع: الأساس الذي لا يتزعزع
طوّرت STS سبعة مبادئ راسخة تمثّل دستورها المؤسسي: الاحترام، والمصداقية، والنزاهة، والالتزام، والمسؤولية، والعطاء، والابتكار. يقول أيمن: "النزاهة أهمها عندي. عمركم لا تضعفوا نفوسكم أمام أي شيء."
وهذه القيم لم تكن شعارات للإفراج في الاجتماعات، فقد كانت تُكرَّر يوميًا وتُحاسَب عليها، ومدوّنة في كل إيميل مؤسسي، لأن الموظف لا يتعلّم إلا بما يُعاد عليه.
الخلاصة: رصيد الإنسان سمعته الطيبة
في نهاية المطاف، حين يجلس أيمن مزاهرة ليستذكر خلاصة رحلة خمسة وأربعين عامًا من العمل والبناء والعطاء، لا تكون الأرقام أول ما يذكر، ولا الجوائز ولا الاستحواذات: "رصيد الإنسان في الحياة هو حبّ الناس وسمعته الطيبة. لما بسافر على أي مطار، إلا ألتقي بشخص يعرفني ويقول "يا أبو زيد"... هذا أجمل شيء."
قصة أيمن مزاهرة ليست قصة نجاح عادية، هي قصة تعلمنا جذور الشراكة الحقيقية، وأن قيمة الإنسان قبل المؤسسة، وأن الجذور حين تكون راسخة فإنها لا تُقتلع، مهما عصفت بها الأعاصير، يقول: "الإنسان لازم يرجع لبداياته وما ينسى كيف بدأ، لأن الجذور مهمة، وإنك تعرف جذورك يخليك تثبت موقعك أكثر وأحسن وأفضل."
نُشر هذا المقال استنادًا إلى الحلقة الثامنة والأخيرة للموسم الثاني من بودكاست "على سيرة شغل" مع المهندس أيمن مزاهرة أبو زيد، الشريك المؤسس لشركة STS. إذا أردت الاستماع للحلقة كاملة، يمكنك الضغط على هذا الرابط.
رصيد الإنسان في الحياة هو حبّ الناس وسمعته الطيبة..
الفشل مش جريمة ولا خطأ.. الخطأ إنك تستسلم.
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.