أمان

الرئيسية / على سيرة شغل مع سالي / الابن السند والشريك المؤسس: قصة أول مصنع لألواح البروتين في الأردن

الحلقة 3: الابن السند والشريك المؤسس: قصة أول مصنع لألواح البروتين في الأردن

أحمد أبو علي على سيرة شغل مع سالي

أحمد أبو علي

شريك مؤسس @ The Incredible Oat

أحمد أبو علي رائد أعمال أردني حوّل وصفة منزلية إلى أول مصنع لألواح البروتين الصحية في الأردن، مستفيدًا من دعم عائلته وخبرته في مجال المبيعات.

في حلقة جديدة من بودكاست "على سيرة شغل مع سالي" للموسم الثاني، استضفنا الشاب الأردني أحمد أبو علي، الشريك المؤسس لعلامة Incredible Oat. للوهلة الأولى، قد تعتقد أن القصة تدور حول فكرة "مشروع" بدأ من كراتٍ للتمر وأغذية صحية، ولكن ما إن تعمَّق أحمد أكثر في الحديث تكتشف أن الحكاية أعمق بكثير.

إنها قصة أم اختارت أن تصنع مستقبلًا، وشاب تعلم أن قيمة الإنسان ليست فيما يرتديه، وإنما في الجهد الذي يبذله حتى يصل لهدفه. قصة هذه الحلقة تروي قصة تحول طفل يتيم الأب إلى شابٍ كادح في شوارع دبي، وصولًا إلى مؤسس لمصنع يضم اليوم أكثر من 20 موظفًا، لينقل لنا دروسًا تعلمها خلال الرحلة في القناعة، والإصرار، وفن النهوض بعد كل سقوط. فما هي تفاصيل الحكاية؟

"أنا زلمة أمي": البداية من رحم المعاناة

تبدأ سالي حوارها مع أحمد، لتسأله عن كنيته الأشهر التي أطلقتها عليه والدته "ميرفت الرمحي": زلمة أمه. ليرد عليها بكل فخر واعتزاز بتشرفه بهذا اللقب، ويحمد الله الذي قدره على أن يكون سندًا لوالدته وإخوته.

لكن السؤال: كيف تحوَّل طفل يُتم في الثالثة من عمره إلى سند؟

يشرح أحمد ببساطة دون دراما مفرطة: "الفكرة مش إنه أنا اخترت أكون سند، الفكرة إنه الظروف ما تركت لي خيار تاني". 

توفي والده في الإمارات عندما كان لا يزال طفلًا، فعادت به والدته الصغيرة إلى الأردن. وجدا نفسيهما وحيدين، يحتميان ببيت الجدة. هنا بدأت الأم الشابة رحلة مضاعفة؛ تعمل نهارًا لتوفر لقمة العيش، وتدرس ليلًا لإكمال دراساتها العليا، تبني مستقبلًا ليتيمها الصغير.

لاحقًا، قررت والدته الزواج مجددًا ليكون له إخوة ولا يكبر وحيدًا، ليكون "عبود" و"تيا" إخوته. لكن شاءت الأقدار أن تنفصل مرة أخرى، ليجد أحمد نفسه وهو في مقتبل العمر، مع والدته، مسؤولين معًا عن تربية أخويه الصغيرين. وبينما قد يرى البعض في هذا حملًا ثقيلًا، يصفه أحمد بأنه "بركة ونعمة": "ربنا قدّرني أنا وأمي بهالعمر إننا نشيل هالمسؤولية، ويا رب أكون على قدرها."

وهنا تكشف سالي عن البذرة الأولى لشخصيته، فتسأله إن كانت والدته قد هيأته لهذا الدور منذ صغره. يروي أحمد قصة طريفة كانت بمثابة منعطف في وعيه، حين درس في الكلية العلمية الإسلامية، وكان زملاؤه أبناء لعائلات أردنية ميسورة الحال، يتفاخرون بأحدث إصدارات أحذية "أديداس" الرياضية التي يتغير لونها أسبوعيًا. ذهب إلى والدته يطلب منها شراء اللون الجديد ليكون مثل أصدقائه، وكان ثمن الحذاء 50 دينارًا في وقت لم يكن الحصول على مبلغ كهذا سهلًا، فنظرت إليه أمه وقالت له كلمات ما زال يرددها حتى اليوم:

"يا ابني، إذا أنت بالكلية العلمية الإسلامية، بتشوف ولاد فلان وفلان يلبسوا جديد كل يومين وأهلهم مش فارقة معهم... تعالَ أخدك على المخيم عند بيت ستك، وعلى مدارس الوكالة، تشوف البوت اللي برجلك كم عيلة بطعمي. ارضى باللي عندك."

يصف أحمد تلك اللحظة بأنها كانت "فاصلة"، وأنه لا يحتاج أن يقلد الآخرين، وتعلم الدرس الأكبر: القناعة والرضا، وعدم تقديس الأشياء المادية.

وبالعودة إلى الحديث عن والدته، ذكر أحمد أنَّ الصورة اللامعة التي يراها الناس اليوم لامرأة ناجحة ومديرة ومنتجة، لا تعكس حتى جزءًا بسيطًا مِمَّا مَرَّت به في ثلاثين عامًا من الكفاح الصامت. يقول بتأثر: "أنا بقدرها بثلاثمئة زلمة. الناس بتشوفها ضحوكة وحبوبة، بس ما حدا بيعرف شو مرت فيه. كل واحد وراه قصة."

حلم المحاسبة الذي قاد إلى طريق مختلف تمامًا

بعد أن أنهى أحمد الثانوية العامة، وحان وقت اختيار تخصصه الجامعي، قرر أن يدرس "المحاسبة"، لسببين: الأول لأن والدته كانت مديرة قسم محاسبة في منظمة دولية، فوجد في المادة شيئًا مألوفًا ومحببًا خلال دراسته الثانوية. أما الدافع الأكبر فكان حلمًا غرسه جده في نفسه.

كان للجد شركة عريقة في الإمارات منذ عام 1968، تعمل في استيراد وتصدير الخضار والفواكه، وكان جده قد وعده بتسليمه قسم المحاسبة في الشركة بعد التخرج.

بعد تخرجه بوقت قصير، أغلقت الشركة أبوابها للأسف بعد أربعين عامًا في السوق، لينهار معها حلم أحمد الذي تربى عليه، ويذكر أنه وصل لدبي حينها، بينما كانت العائلة تعمل على تخليص كل ممتلكاتها، ليجد نفسه أمام واقع لم يكن في الحسبان؛ شاب يحمل شهادة محاسبة، ويحمل أمتعة من الخبرات البسيطة التي جمعها أثناء دراسته.

وعلى عكس زملائه في الجامعة، لم يتردد أحمد في العمل أثناء الدراسة، متنقلًا بين توصيل الطلبات، والعمل في أفران المطاعم، وحتى بيع حفاضات الأطفال. زرعت والدته فيه هذه الروح منذ المدرسة، حين كانت تصطحبه ليساعدها في الاستوديو الذي تملك حصة فيه.

ورغم أن هذه التجارب علمته الكثير، يعترف أنه تعرض لبعض المواقف المحرجة، حيث يروي ضاحكًا قصة طلب توصيل أوصله إلى باب زميل له في الجامعة، فتفاجأ الشاب قائلًا: "إنت أبو علي؟ بتشتغل دليفري؟" شعر أحمد للحظة بالحرج، لكنه سرعان ما تمالك نفسه، ليذكر نفسه بأن ما يفعله هو الصواب، وقد استقرت في وجدانه قناعة راسخة صاغها بثقة: "المال بسواعد الرجال. ما كنت أستحي أشتغل دليفري ولا أبيع حفاضات." 

هذه السنوات التي قضاها في مواجهة الناس، والتفاوض، وتحمل ضغط العمل، صقلت فيه مهارات لم تكن لتُدرس في قاعات المحاسبة. كان التدريب الأقسى، لكنه كان الأكثر فائدة. وعندما وصل إلى دبي حاملًا شهادته وذكريات "طلبات" الجامعة، كان يجهل أن سوق العمل هناك سيأخذه في منعطف جديد كلياً، بعيدًا عن دفاتر الحسابات، ونحو عالم المبيعات الذي سيغير حياته إلى الأبد.

قصة السور الخشبي ونصيحته الأهم "لا تَعِد بأكثر مما تستطيع"!

في سردٍ مقتضب يختزل اندفاع الشباب وغروره أحيانًا، يروي أحمد حكاية "السور" الذي تأخر تسليمه مع رفيق دربه جهاد. لم تكن سوى لحظة إعجاب عابرة من جارتهم بإطار خشبي، أشعلت في صدرهما طموحًا لم يزنا تبعاته. عرضا على الجارة سعرًا زهيدًا مقارنةً بسعر المحترفين، في صفقة بدت رابحة قبل رمضان بأيام، واتفقا على موعد تسليم لم يراعِ حجم الجهد الخفي.

لكن الواقع كان مريرًا، يبتسم أحمد اليوم وهو يستعيد ذكرى خمسة وأربعين يومًا من الكدح المضني، رمضان كامل أمضياه بين صاروخ الحديد ووجوه الدهان المتعاقبة، من الإفطار حتى السحور. كانت النتيجة خسارة مالية تجاوزت مئة وخمسين دينارًا لكل واحد منهما، ودرسًا تجاريًا مهمًا: "لا تَعِد بأكثر مما تستطيع"!

ورغم الفشل التجاري في هذه التجربة، إلا أن المهارات التي اكتسبها أحمد من هذه التجربة كانت تستحق ذلك؛ فقد تعلم أحمد لحام الحديد بيدين مبتدئتين، وأتقن استخدام الصاروخ، وأدرك قيمة الصبر على دهان الخشب حتى يبلغ لونه المطلوب. لقد كان الإطار الذي ما زال شامخًا في عمارة بيت أهله ثمنًا للتعلم الحقيقي، وشاهدًا على أن المهارة لا تُوهب، وإنما تُدفع أقساطها عرقًا وندمًا وتجربة. تلك المغامرة الصغيرة مع جهاد كانت المدرسة التطبيقية الأولى في سوق العمل، حيث علّمته أن تقدير التكاليف والوقت ليس خيارًا، وإنما حدًا فاصلًا بين نجاح وخسارة فادحة!

المنعطف الأول: انهيار الحلم بعد التخرج

كان جد أحمد يطمح لأن يكون وريث العائلة الأول الذي يُكمل الطريق الأكاديمي نحو الحصول على شهادة الدكتوراه، وقد كان مستعدًا لتحمل تكاليف دراسته للماجستير في بريطانيا، وقد حصل على القبول فعلًا، ولكن في أعماقه تكونت قناعة مغايرة، لخصها بجملة واحدة: "مخي بفهم لما يطبَّق.."، فاختار الخبرة على الشهادة، وسافر إلى دبي كما ذكر في البداية ليبدأ عمله في شركة جده.

بعد أن وجد أحمد نفسه في دبي لا وظيفة تنتظره، كان عليه البدء من الصفر، فساعده عمه على إيجاد وظيفة "محاسب" في إحدى شركات العقارات على شارع الشيخ زايد في دبي. 

ليلة رأس السنة: 12,700 درهم علَّمتني معنى المسؤولية

في ركن من أرقى شوارع دبي، حيث تلامس ناطحات شارع الشيخ زايد عنان السماء، جلس أحمد خلف مكتبه في شركة العقارات محاسبًا مبتدئًا تحت إدارة الأستاذ أحمد كساب. منظر يليق بالأحلام، لكنه أخفى خلف واجهته الزجاجية تفاصيل شاقة ستكون وقود تحوله.

هناك، وتحت ثقل مسؤولية مالية مبكرة، تشكّل معدن أحمد أبو علي الحقيقي، ليكتشف أن الطريق الذي يخطه القدر، رغم عثراته، أكثر إلهامًا من أي طريق وُعد به.

لم تكن البداية يسيرة؛ فقد وجد نفسه أمام إرث إداري معقد تديره مديرة مخضرمة، وأمام خزنة تنام فيها ملايين الدراهم، تنتظر من يحرسها بعين لا تغفو. كانت ليلة رأس السنة 2018 تمضي على المدينة ببهجتها، والناس تستقبل عامًا جديدًا بالاحتفالات، بينما انطوى أحمد في زاوية مكتبه وحيدًا، يُقلب الدفاتر بيد مرتجفة، ليكتشف أن 12,700 درهم قد اختفت بلا أثر.

كان المبلغ بسيطًا في معادلات الشركة الكبيرة، لكنه كان رقمًا مخيفًا لشاب لم يمضِ على توظيفه شهران. اتصل بأمه طالبًا منها تحويل المبلغ له، لسد العجز خوفًا من المساءلة. كانت أقسى ليلة تمر عليه هنا، يغرق بين أكوام الأرقام، يفكر كيف سيحل المشكلة!

مضت ثلاثة أيام صعبة، لم يجد أحمد فيها حلًا، ليذهب إلى مديرته الجزائرية صباح يوم الأحد يخبرها بما حدث، لتصدمه بأنها قد نسيت أن تعطيه مغلفًا بنيًا كان بداخله الرقم المفقود! شعر أحمد بغضب شديد، فقد عاش ثلاثة أيام من الخوف والرعب، أما نتيجة هذه القصة كانت بأن قرر مدير الشركة تعيينه المسؤول المالي عن "النقود" في الشركة، ومنع مديرته من استلام أي مبلغ نقدي.

هذه الحادثة وقرار المدير انعكست سلبًا على أحمد، حيث عزفت مديرته عن مساعدته في أي أمر، ليجد نفسه مضطرًا لتعلم كل تفاصيل العمل وحده دون مساعدة من أحد، ويعمل ساعات إضافية.

ورقة التفويض التي قلبت الموازين: اكتشاف موهبة المبيعات

في غمرة إتقانه لتعقيدات الحسابات العقارية، برقت أمام أحمد لحظة فارقة انتزعته من رتابة الأرقام إلى ميدان الدهاء التجاري. كان ثمة عميل مهم يمتلك برجًا سكنيًا بأكمله، جاء على عجلة من أمره ليوقع أوراق التنازل قبل أن يغادر سريعًا إلى مطار دبي.

مضت الدقائق الخمس المقررة، وغادر الرجل، لكن عين المحاسب الثاقبة وقعت على ثغرة كانت كفيلة بعرقلة الصفقة برمتها: ورقة تفويض باستلام سندات الملكية نسى العميل التوقيع عليها. أُرسلت سيارة خلفه بسرعة، وأُعيدت الورقة موقعة. في تلك اللحظة، أيقن أحمد أن بيده مفتاحاً لكنوز منسية.

في شركة تكتظ مكاتبها بالعائلات المنتظرة ساعاتٍ طويلة لإنهاء معاملاتهم، نهض الشاب الأصغر سنًا والأحدث عهدًا ليطرح فكرة من شأنها أن تختصر الزمن وتضاعف الإنتاج. قال لصاحب الشركة: "لماذا لا نستلم سند التسجيل عنهم بموجب تفويض مسبق، ونوصله إلى بيوتهم؟"

تحولت الفكرة إلى واقع حين قرر صاحب الشركة استخدام إحدى سياراته لهذا الغرض، ليقفز عدد المعاملات من 10 إلى 28 معاملة في اليوم. أتقن أحمد المحاسبة حتى صارت سهلة ممتنعة، وصار يتأمل زملاءه في المبيعات، وقد غرقوا في بحور العمولات بينما هو حبيس راتب خمسة آلاف درهم، نصفه يبتلعه الإيجار.

هنا اشتعلت جذوة الطموح الحقيقي. كيف لشاب في مثل عمره أن يجني ثلاثين ألفًا وهو أسير خلف الخزنة؟

طلب من مدير الشركة أن ينقله لقسم المبيعات، ورغم النتائج المميزة التي نجح في تحقيقها لم يحصل على حقوقه كما كان يرجو، ولذلك قرر أن يقدم استقالته من الشركة، والانتقال لوظيفة مندوب مبيعات في شركة أخرى، ساعده صديق له في الحصول عليها.

من 70 زبونًا إلى 3 عمالقة: ذكاء أحمد في سوق أبوظبي ودبي

حصل أحمد على وظيفة مندوب مبيعات للمواد الغذائية، وقد قرر مديره أن ينقله لسوق أبو ظبي، وسلموه حينها قائمة تضم 70 زبونًا من أصحاب الكافتيريات ومطاعم الشاورما المتواضعة، ووضعوا له هدفًا ماليًا لا يتجاوز مئة وخمسين ألف درهم. كان السوق في عيون الإدارة مجرد هامش لا وزن له، لكن أحمد نظر إلى تلك القائمة بعين تاجر عريق ورث دهاء الأجداد؛ فقد كان اسم جده وجذور عائلته الضاربة في الإمارات منذ عام 1968 مفتاحًا من ذهب مغفول عنه. حين سأل عمه عن "شركة الخليل" التي تقاسمهم الاسم والمكان، جاءه الجواب كالكشف الأثري: "هدول أولاد البايض.. جدهم اشتغل مع جدك بالفجيرة."

هنا أدرك أحمد أن بحوزته كنزاً لا يملكه غيره من المندوبين: ميراث الثقة بين الجيل الأول. في اتصال هاتفي، مهّد العم الطريق: "يا معلم، هذا حفيد عيسى عبد الله." فُتحت له أبواب ظلت ثلاثين مرة موصدة في وجهه. جلس أمام الجد الأكبر لشركة الخليل، وفي عينيه بريق الحفيد لا المندوب، ولم يكتفِ أحمد بفتح الباب، بل دخل يحمل مفاتيح عملائه.

نجح أحمد من خلال مهاراته في البيع وذكائه في استغلال الفرص في الحصول على صفقة رابحة مع هذه الشركة، ليحقق رقم تجاوز هدفه الشهري بمراحل!

لم يكتفِ أحمد بهذا الإنجاز، بل شرع في أذكى حركة إستراتيجية ممكنة في سوق يعج بالزبائن المبعثرين. التقى بعمالقة السوق الثلاثة: الخليل، والسويدان، وأبو أحمد السورية. لم يبعهم سلعة، بل أهداهم إمبراطورية صغيرة، فقد وزع عليهم السبعين زبونًا في قائمته لهم، ليخلص نفسه من عناء التواصل مع 70 زبونًا بقدرة شرائية قليلة، والتركيز على ثلاثة من أقوى الزبائن في السوق.

تحولت حياته إلى نقيض ما كان عليه، فلم يعد أحمد مندوبًا منهكًا يطارد الطلبات، بل صار تاجرًا يشتري منه الكبار عبر "الواتساب". يقول وهو يستعيد تلك الفترة الذهبية التي صقلت روحه: "أول كتاب قرأته بحياتي كان في الإمارات. هناك تعرفت على أحمد أبو علي بحق.."، وقد أصبح وقته ملكًا له.

غير أن نهم الشركة للاستفادة من مطحنة لا تكل لم يتوقف، فقد تقرر نقله إلى الشارقة، ليخوض غمار "الطرف الثالث اللوجستي" في شركات عملاقة، يدير مخزون مدخلات الإنتاج بدهاء، ويخاطب العمال الهنود بمزيج من الإنجليزية والعربية المكسرة اكتسبها من جده. ورغم تضاعف أهدافه، بقي راتبه زهيدًا، والاستغلال ظل عنوان المرحلة. ولكن في خضم هذا الضغط الذي بدا قهرًا وظيفيًا، كانت تُطهى له في مطبخ أمه وصفة كرات التمر والشوفان. وصفة ستكون بداية انقلاب حياته. يقولها أحمد بمنتهى اليقين: "البهدلة كلها خير.. لو كنت مرتاح هناك، ما كنت فتحت مشروعي.."

بداية فكرة المصنع: التجارب الأولى

في غمرة ازدواجية الحياة بين نجاح مهني منقوص واستغلال وظيفي خانق، لم يكن هناك ما يُشعر أحمد بالسعادة سوى طرود أمه، والتي كانت سيدة رياضية، تدرك مخاطر السكر قبل أن يصبح وعيًا جمعيًا. فقد كانت والدته ميرفت تُعد له كرات التمر والشوفان والمكسرات، وترسلها إليه كما يحب أن يطلب منها.

وفي لحظة إلهام عابرة، أرسل إلى أمه علبة بروتين مع رجاء بسيط: "جربي تدخلي البروتين مع الخلطة." ما حدث بعدها كان، على حد وصفه، "دمارًا شاملًا" من اللذة. خرجت وصفة ما زالت حتى اليوم، بعد ست سنين، متربعة على عرش المنتجات الأكثر مبيعًا، فقد كان الطعم لذيذًا لدرجة أن أحمد أخفاه عن أعين زملائه في السكن بعد أن صاروا يطرقون غرفته بحثًا عن هذه الكرات.

في الأردن، كانت أمه تختبر الوصفة على رفيقات الجيم، فتتلقى السؤال نفسه: "ميرفت، ليش ما تشتغلي فيه؟" لم تكن المحاولة التجارية الأولى، لكنها كانت مختلفة.

كان هناك شعور بالمسؤولية تجاه الإخوة، وأمل خجول لا يتجاوز سقفه مئتي دينار تسد فاتورة الكهرباء والماء. بينما كانت الأم تبحث في "غوغل" عن رخصة منزلية، كان الابن في دبي يصوغ الاسم والشعار مستعيناً بخبرته القديمة في المطابع. وهكذا بزغ اسم Incredible Oats.

جاء يوم التدشين، وذلك عند اشتراكهم في بازار، وقد أنتجوا ثلاثمئة قطعة، فإذا بها تختفي قبل أن يمضي النهار. يقول مندهشًا: "انصدمنا.. الناس عم تهجم." تدخل صاحب الكافتيريا المجاور وأسندهم بالمساعدة. كان معهم صندوق من ألف قطعة، فإذا به فارغ عند المساء. جمع أصدقاء الطفولة والجامعة على موائد السروات، في مشهد وداع لموظف دبي واستقبال لصاحب مشروع ناشئ.

تكرر المشهد في اليوم الثاني والثالث، ليقفز المتابعون من خمسين إلى أربعمئة في يومين على صفحتهم على منصات التواصل الاجتماعي. كان السوق الأردني متعطشًا لمنتج نظيف بلا سكر، لكن العائق الإداري ظهر سريعًا: الرخصة المنزلية ممنوعة لكونه "مكملًا غذائيًا".

سيتأجل الحل، لكن الفرصة كانت أوضح من أن تنتظر، وفي اليوم الثالث فقط من انطلاق البيع، وتحت وقع الزحام نفسه، قرر أحمد أن يقدم استقالته من شركته في دبي دون تردد.

لم يكن يراهن على ثلاثمئة دينار، بل على ذات صقلتها شوارع الإمارات، ووصفة خرجت من مطبخ البيت لتصنع ما هو أكبر: مصنع كامل، وموظفون، وآلاف العملاء.

خلال سنوات عمله في الإمارات كان أحمد يبني وعيه حول قدراته ومهاراته، ليبدأ حينها في تطبيق كل ما اكتسبه من خبرات البيع في دبي وأبو ظبي، ويفتح نقاط بيع للمنتج في أسواق الأردن. وقد نجح خلال أسبوعين في فتح 25 نقطة بيع.

أما العائق الأهم الذي كان عليه التعامل معه، فهو استخراج الرخصة خلال أزمة كورونا، حيث إن منتجه يصنف يحتوى مكملًا غذائيًا، وصنف تحت بند "مشغل حلويات"، فقد منعت وقتها رخص "مشاغل الحلويات" خوفًا من نفاد السكر، رغم أن منتجه خالٍ منه. حصل على استثناء بصعوبة بعد شرح تفاصيل المنتج، وبدؤوا العمل على إنتاج المنتجات في المشغل، لينقلها بنفسه مع أمه في حقائب سفر.

في ذلك الهدوء الإجباري، وبعيدًا عن ضجيج العالم، كانت Incredible Oat تبني أساسها المتين، ليثبت لنا أن في الأزمات تُصنع أعظم الفرص، وأن النجاح لا يكون إلا لمن يمتلك شجاعة الاستمرار بينما يتراجع الآخرون.

فلسفة القيادة بالكرامة: تحويل مرارة الاستغلال إلى بيئة عمل عادلة

نظرًا لزيادة ضغط العمل وارتفاع عدد الأيدي العاملة، كان على أحمد أن يبتكر دستوره الإداري الخاص. لم يكن دستورًا أُملي عليه من كليات التجارة، ولكن كان خلاصة دروس تعلمها خلال سنوات عمله السابقة موظفًا.

كان القرار الأول حاسمًا وواضحًا في فلسفة اتفق عليها مع والدته، ألا وهو توظيف النساء كونهم أنظف وأسرع في العمل. وهكذا، ومنذ اليوم الأول، خلت خطوط الإنتاج من أي شاب. أما اليوم يضم المصنع عشرين سيدة، تتقدمهن أمه، في بيئة تحولت إلى خلية نحل أنثوية تفيض انتماءً.

لكن جوهر فلسفة أحمد لا يُقاس بعدد النساء في الإنتاج، بل بكيفية رد الاعتبار لكرامة الموظف التي انتهكت فيه سابقًا. حين تسأله سالي عن "التسهيلات"، يصححها بلطف نابع من ألم دفين: "هذه مش تسهيلات.. هذه أشياء بهدلتني أنا لما كنت موظف…".

وكذلك بين أحمد اعتراضه على العقلية الإدارية التي تكتم صوت الخبرة وتصادر حق الاقتراح، وقد عكس المبدأ في مصنعه، ويطلب من موظفيه اقتراح الأفكار، حيث يؤمن أن العامل في خط الإنتاج أدرى بتفاصيله من الموظف الجالس خلف المكتب دون أن يعمل بيديه.

العطاء قبل الربح: القيمة الوحيدة التي يرفض التفريط فيها

في لحظة تأمل صادقة، يُسأل أحمد عن القيمة الوحيدة التي يعتصم بها من بين كل أخلاقيات العمل. لم يتردد أحمد في اختيار قيمة "العطاء" سريعًا، ثم يشرح فلسفته بكلمات تظهر إنسانيته وتواضعه الحقيقي، فيرى في العطاء سببًا لتواضعه وعدم الاغترار بما منحه الله من نِعم.

نصائح لشباب جيله: رسالة ودروس من الحياة والتجارب

في ختام رحلتها مع أحمد أبو علي، سألته سالي السؤال الذي ينتظره كل شاب يحلم بخوض غمار ريادة الأعمال: ما نصيحتك لمن يسيرون على الدرب ذاته؟

هنا كشف أحمد الجانب المعتم من الحكاية، ذلك الوجه الذي لا تراه العيون المبهورة بقصص النجاح البراقة. لم ينكر أحمد استمتاعه بالرحلة، لكنه صارح الجميع بأنها طريق شاقة، تلتهم الحياة الشخصية التهامًا، وتطلب من صاحبها تضحيات كثيرة. يحن اليوم إلى أيامه الأولى حين كان التعب جسديًا محضًا، يحمل الكراتين ويسوق السيارات. أما اليوم، فالتعب أثقل: تعب ذهني ومسؤولية ملقاة على عاتقه تجاه عشرين أسرة تقتات من أبواب مصنعه.

ثم طلبت منه سالي بصمته الأخيرة التي يريد تركها للشباب، لتكون نصيحة لكل شاب وشابة بأن يعدوا بأقل مما يستطيعون، ويمنحوا أكثر مما وعدوا. وهي قاعدة يجب أن نطبقها في كل جوانب حياتنا الشخصية والمهنية.

وفي ختام الحلقة، تتوقف سالي لتلخص أهم ما نتعلمه من قصة أحمد، وهي:

  • الدعم الحقيقي ليس بالكلام فقط، بل بقطعة أكل أو برسالة أو بجهد بسيط.
  • الغربة ليست الهدف، بل الوسيلة لاكتشاف الذات الحقيقية.
  • الاستغلال ليس فشلًا، بل قد يكون تدريبًا قاسيًا لنجاح أكبر.
  • الأفكار العظيمة تبدأ من مطبخ البيت، أو من تجربة شخصية أو مشكلة يومية.
  • العمل العائلي قوة إذا أُدير بوعي وثقة وتكامل مهارات.
  • اعرف مهاراتك الحقيقية. أحمد درس محاسبة، لكنه تألق في المبيعات.

لم تقتصر نصائح أحمد والدروس التي تعلمها على ما ذُكر هنا، ننصحك بمشاهدة تفاصيل القصة كاملة على قناة "على سيرة شغل مع سالي"، لتخوض أكثر معنا في تفاصيل الحكاية.

الغربة ليست الهدف، بل الوسيلة لاكتشاف الذات الحقيقية

لا تَعِد بأكثر مما تستطيع!

عن البودكاست

على سيرة شغل مع سالي

لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.

نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.

ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.

مقدم البودكاست

سالي أبو علي

رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.

Show Notes

أحمد أبو علي رائد أعمال أردني حوّل وصفة منزلية إلى أول مصنع لألواح البروتين الصحية في الأردن، مستفيدًا من دعم عائلته وخبرته في مجال المبيعات.