الحياة مش كلها كابوس.. وبعد الكابوس في حلم وفي أمل.. ويمكن أحلى من قبل.
لينا خواجا
مديرة صندوق التحدي لتوظيف الشباب (CFYE) في الأردن @ صندوق التحدي لتوظيف الشباب (CFYE) في الأردن
في مكانٍ ما، حين يُقرع جرسٌ ثانٍ، لا يُعلن عند بعض الناس نهايةَ درسٍ أو بداية اجتماع؛ ولكن يعلن بداية حياةٍ بأسرها من جديد! هكذا كان الأمر بالنسبة للينا خواجا؛ تلك المرأة التي خاضت معركتها ضد مرض السرطان ونجت، لتخوض بعدها معركة أشد قسوة ضد الوصمة والتمييز في سوق العمل، وتعيد تعريف معنى القوة والإصرار في زمن قد تختزل فيه الأرواح بمجرد أرقام، وتقاس الكفاءات بنظرات سطحية!
نجحت ضيفتنا في الخروج منتصرةً من المعركتين، قويةً ملهمة، حاملة رسالتها للعالم: إنَّ الألم لا يُنهي الإنسان، وإنَّما يُعيد صياغته وصقله من جديد.
في الحلقة الثانية من بودكاست على سيرة شغل مع سالي للموسم الثاني، استضفنا لينا خواجا، مديرة صندوق التحدي لتوظيف الشباب (CFYE) في الأردن، لتروي لنا قصتها كاملة، وتقدِّم نموذجًا يحتذى به وتكون شاهدًا على أنَّ الإرادة البشرية قادرة حتمًا على هزيمة أقسى التحديات، فما هي تفاصيل القصة؟
الجرس الذي غيَّر الحياة
بدأت سالي سؤال حلقتها لضيفتها برن الجرس، لتسألها بماذا يذكرها هذا الجرس؟ وماذا يعني لها؟
تبدأ لينا سرد حكايتها بصوت هذا الجرس، والذي يذكرها بحياة جديدة بدأتها، ومرحلة انتقالية عاشتها بعد أن كانت امرأة شابة في مقتبل العمر، زوجة وأم لطفلين، طموحة وتحب عملها كثيرًا، وتحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال، تهتم بصحتها وتقبل على الرياضة بشغف، لتصبح في يوم وليلة مجرد "رقم" بعد تشخيصها بمرض السرطان!
كان تشخيصها بهذا المرض صدمة كبيرة لها، قلب حياتها رأسًا على عقب، لكنها لم تكن تعلم حينها أن هذه الصدمة ستكون حجر الأساس ونقلة كبيرة ستعيشها فيما بعد!
لم تعد لينا المرأة ذات الطموحات والإنجازات؛ بل رقمًا حبيسًا في ملفات مستشفى الحسين للسرطان، تحفظ ذلك الرقم حتى اليوم: 164989. كانوا ينادونها به، فتشعر أنها أصبحت "حبيسة رقم، سجينة في خانة، مرتبطة بهذا العدد إلى الأبد".
مشتركة في لعبة الحبار "Squid Game"
كانت المرحلة مزدوجة الثقل؛ ألمٌ جسديٌّ عارم، وتحوّلٌ نفسيٌّ جذري في الهوية. لم تعد تعرف كيف ترى نفسها، وشبّهت تلك الحقبة بمسلسل "Squid Game لعبة الحبَّار"؛ فكما يدخل المشاركون في تلك اللعبة كلَّ حلقةٍ لا يعرفون ما يُخبّئه لهم التحدي القادم، كانت هي تدخل كل مرحلة علاجٍ تحمل جرعةً مختلفة من الألم، وتتساءل: هل أنجو هذه المرة أيضًا؟
غير أن تلك المرحلة، رغم قسوتها، كشفت لها ما لا تكشفه أيام الرفاهية والسلامة: معادن البشر: فمنهم من وقف معها بصدق، ومنهم من تخلى، والأصعب من ذلك من تظاهر بالدعم وهو في الحقيقة غائب.
وصمة التعافي والصدمة الأولى
بعد رحلة علاج مرهقة من العلاج الكيماوي، ظنت لينا أنَّ المعركة انتهت؛ لكن الواقع كان أكثر قسوة. بدأت رحلة البحث عن عمل، وهنا اكتشفت وجهًا آخر للألم: الوصمة الاجتماعية والمهنية التي تلحق بالناجين من السرطان.
في البداية، كانت تصرِّح في مقابلاتها بأنَّها ناجية من السرطان، كانت تفعل ذلك ببساطة وصدق، فإذا بمحاوريها ينصدمون وينهون المقابلة في أسرع وقت ممكن. شعرت كأنها تحمل مرضًا معديًا، كأن النجاة من السرطان ذاتها أصبحت تهمةً يُحاكَم عليها المرء في سوق العمل!
تحدثت عن ظاهرة مُوثقة، لكنها مؤلمة: كثير من التصنيفات الرسمية تُصنف الناجي من السرطان ضمن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة. في الغرب، يأتي هذا التصنيف لضمان تهيئة بيئة العمل ودعم الموظف، أما في واقعنا والثقافة العربية، فإنَّ هذا التصنيف يُستخدَم للأسف للاستبعاد لا للتأهيل!
وهو ما نفته وأكدت عليه لينا، حيث ذكرت أنها كانت تتلقى جلسات الكيماوي وتعود إلى العمل في اليوم الثالث. وثمة من تعرفهم يواصلون مهامهم الوظيفية حتى أثناء العلاج، بمرونة بسيطة وتفهُّم صادق من أصحاب العمل. السؤال الذي طرحته بصوتٍ عالٍ: "من قال إن المريض أو الناجي لا يستطيع أن يُنجز ويُنتج؟"
لكن المجتمع "على الأقل في هذه البيئة" كان يرسم لهم صورةً مختلفة: عبءٌ مزمن، طالب إجازات لا حدَّ لها، عاجزٌ عن تولي مناصب قيادية أو الارتقاء في السلم الوظيفي.
بداية السقوط المهني وتحدٍ جديد
لمدة عام كامل، عانت لينا من الرفض المتكرر، وقد خاضت الكثير من مقابلات العمل وقدمت امتحانات، وفي كل مرة كان الأمل يولد ثم يموت. كانت تسمع نصائح البعض بعدم التصريح بتاريخ مرضها، لكنها كانت ترفض المبدأ. تقول: "شعرت أنني أسقط مهنيًا بعد أن سقطت جسديًا ونفسيًا وروحيًا.. وهاد الشي ما كان هيِّن".
هنا وجهت لينا رسالة واضحة لأصحاب العمل والمجتمع: مريض السرطان والناجي منه ليس أقل كفاءة، ولا يحتاج للشفقة، بل يحتاج لفرصة عادلة وبيئة عمل داعمة. تروي كيف أن مديرها الهولندي وفريقه في CFYE كانوا نموذجًا في الإنسانية والاحترام، حيث شجعوها على التحدث إذا أرادت، ولم يفرضوا عليها شيئًا، وقدَّروا خصوصيتها.
وتوجه نداءً لواضعي التشريعات: "نحتاج لمنع التمييز في التوظيف ضد الناجين من السرطان، بدءًا من المقابلة الشخصية، وإنهاء الوصمة الاجتماعية بأنهم أقل إنتاجية". وتؤكد أنها نادرًا ما تأخذ إجازات مرضية، بل غالبًا ما تعمل لساعات إضافية.
عام 2020 بالنسبة للينا كان عام الخذلان، شعرت بالخذلان من كل ما حولها، من جسمها الذي خذلها لأول مرة حين اكتشفت أنها مصابة بالسرطان، رغم اعتنائها بنفسها وبصحتها وجسدها. بينما تنظر إليها الآن على أنها "مرحلة التهيئة" لما هو أفضل بالتأكيد!
كانت لينا في تلك الفترة تبحث عن نموذج لامرأة عانت من قصتها ذاتها وخرجت منها منتصرة، لتبث في قلبها الأمل ولا تستسلم في منتصف الطريق، تقول: "كنت أتمنى بهذه اللحظة ألاقي نموذج امرأة عاشت نفس التجربة، بنفس العمر، بنفس الظروف، تحكي لي انه بعد هاي المعركة في حياة."
سنة كاملة من الرفض ومواجهة التحدي بإصرار أكبر
قضت لينا سنةً كاملة تبحث عن عمل، لم تتقاعس أو تجعل من مرضها عذرًا، بل سنةً بذلت فيها جهدًا كبيرًا استنزف روحها وجهدها في آن واحد، حيث تذكر أنَّها أجرت عددًا كبيرًا من مقابلات العمل، مع كل ما تستلزمه مقابلات مجال التنمية الدولية من إعداد، وبحث، وكتابة مقترحات.
كانت تقرأ عن كل منظمة، وتُعدّ لكل مقابلة كما لو كانت الأولى. وكلما جاء ردٌّ إيجابي أوَّلي، أشعل جذوةً من الأمل في صدرها، ثم جاء الرفض ليُطفئها.
كانت في بعض الأحيان لا تُصرّح بمرضها، تعلّمت ذلك من التجربة لا من النصيحة. لكن حتى ذلك لم يكن يكفي دائمًا. أضافت إلى ذلك حقيقةً مؤلمة أخرى: كثيرٌ من إعلانات التوظيف ليست حقيقية، بل هي ما يُسمى "branding" مؤسسي، أو استيفاء لإجراءات داخلية تستلزم عقد عدد من المقابلات، في حين أنَّ هذه الإجراءات العبثية تُضيع وقتَ على الباحثين عن عمل، ويُشعلهم بأملٍ كاذب، ثم يتركهم في حالة الإحباط ذاتها.
وعن رسالتها لكل من رفضها، تقول: " بدي احكيلهم شكرًا.. لأنهم كانوا أحد أسباب إصراري لأني أوصل لوين أنا هلا.."
الفرج بعد اليأس وهوية جديدة
لم تكن الرحلة سهلة، وقد وصلت في إحدى الأيام إلى لحظة الحضيض، لتسجد وتدعو الله باكية بكل ما في قلبها، بعد أن أيقنت أن حلول الأرض قد انتهت، وتحتاج فرجًا إلهيًا ربانيًا! لم تطلب واسطةً ولا شفقة؛ طلبت فرجًا إلهيًا فقط، وكانت تؤمن بأن عملها الجادّ كفيلٌ بأن يتحدث عنها.
تقول:
بعد ما بكيت، بعد ما دعيت من كل قلبي مع يقين، نحن كأشخاص مؤمنين عنا يقين بالله.. بعد بأسبوع عملت مقابلة مع أشخاص جدًا رائعين.."
لم يطل انتظار لينا كثيرًا، فبعد أسبوع واحد فقط من دعائها المستجاب، أجرت مقابلة عمل مع فريق رائع، وحصلت على منصبها الحالي في مشروع CFYE (صندوق التحدي لتوظيف الشباب)، وهو مشروع ضخم ممول من الحكومة الهولندية بقيمة 134 مليون يورو، يهدف إلى دعم الشركات في القطاع الخاص وتوفير فرص عمل لائقة للشباب في 12 دولة.
أمّا عن تعريفها الشخصي للمشروع، تقول: "كان هذا المشروع هويتي الجديدة والأمل، كان الفرصة إني أثبت.."
وهنا تسلَّط لينا الضوء على مفهوم نفسي مهم، ألا هو "النمو ما بعد الصدمة" (Post-Traumatic Growth). فبدلًا من أن تحطمها التجربة، نمت داخلها رغبة جامحة لإثبات الذات: "أريد أن أثبت للجميع، ولنفسي أولًا، ولكل من رفضني وقلل من قدراتي، أن المتعافي يستطيع بل ويستحق أكثر".
وقد نجحت بذلك، وحصلت على منصب أعلى وراتب أكبر مما كانت عليه قبل المرض، في شركة عالمية.
رسالة أكبر من قصة
لينا القيادية الرائعة والناجية من رحلة كفاح مع مرض السرطان قررت أن تحمل رسالتها لكل ناجٍ من السرطان، يتساءل في نفسه إن كان لا يزال يستحق مكانًا في هذا العالم، ورسالة أقوى لكل باحثٍ عن عمل أنهكه الرفض وأوشك على الاستسلام، وأخيرًا لتنقل رسالتها لكل إنسانٍ وجد نفسه يومًا أمام بابٍ موصد لا يعرف إن كان سيُفتح.
الرسالة في جوهرها واضحة: الرفض ليس حكمًا على القيمة، ولا دليلًا على العجز، والرفض ليس دليلًا على الفشل؛ فكاتبة سلسلة روايات هاري بوتر رُفضت كتاباتها من اثنتي عشرة دار نشر قبل أن ترى كتاباتها النور للعالم أجمع، وكثيرٌ غيرها من أصحاب النجاحات الكبرى كانت بداياتهم حافلةً بالأبواب المغلقة. ما فرّق بينهم وبين من وقفوا عند أول رفض هو شيء واحد: أنهم لم يستسلموا!
أرادت لينا أن تكون ذلك الأمل المُجسَّد، تلك الروح التي تقول لمن يعيش كابوسه: إن بعد الكابوس حلمًا، وإن ما يأتي بعد المحنة قد يكون أجمل مما كان قبلها. وقد كان عوض الله عليها جميلًا، أجمل مما توقَّعت. تقول: "الحياة مش كلها كابوس.. وبعد الكابوس في حلم وفي أمل.. ويمكن أحلى من قبل."
بيئة العمل اللائقة: حين تتحوّل المؤسسة إلى حاضنة
حين سألتها سالي كيف استطاعت أن تستحق هذا المنصب في مشروعٍ بهذا الحجم، كان الجواب بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: "كنت أنا فقط."
لم تُخبر فريقها في CFYE عن مرضها في البداية، ولم يسألوا. ساعدها في ذلك نظام العمل عن بُعد الذي فرضته جائحة كورونا، إذ أتاح لها إكمال علاجها البيولوجي بعيدًا عن الأعين، دون حاجةٍ إلى إجازاتٍ تلفت الانتباه أو تفسيراتٍ تُثقل الكاهل. كانت الظروف -رغم قسوتها- قد هيأت لها ما لم تكن لتُهيئه لنفسها.
وكان هذا بالضبط ما أرادته، فلم تكن تطلب معاملةً استثنائية، ولا تسعى إلى شفقةٍ تلتصق باسمها. كانت تريد شيئًا واحدًا فحسب: أن تُعامَل على أنها لينا الإنسانة، ليس رقمًا في ملف، ولا ناجية تستوجب الحذر. أن يروا فيها الموظفة الكفؤة، مثلها مثل أي أحد في الفريق، لا أكثر ولا أقل.
وقد كان لها ما أرادت، فقد سخَّر الله لها "على حد وصفها" ملائكةً على هيئة بشر، فريقًا أدرك أن ما يجعل الإنسان قيّمًا في عمله ليس سيرته الذاتية، بل سلوكه. وهذه حكمةٌ تحملها لينا من تجربتها وتُوصي بها كل من يختار شريكًا أو يبني فريقًا: "قابل الناس وعينهم لسلوكهم.. مش لسيرتهم الذاتية.. المهارة ممكن الشخص يكتسبها، ولكن السلوك السيء رح يظل سيء.."
صحيح أنها حصلت على فرصة الأحلام، لكنها لم تكن سهلة، وكانت تعرف ذلك منذ اليوم الأول، وقد قبلت التحدي بكل إصرار وعزيمة.
مشروعٌ ضخم تسلّمته من بداياته، يستلزم مجهودًا يفوق المعتاد، في ظروف العمل عن بُعد التي فرضتها الجائحة آنذاك. عملت في عطل نهاية الأسبوع، وقد بذلت جهدًا مضاعفًا، وكان ذلك أحيانًا على حساب عائلتها وأطفالها وزوجها، لكنها كانت تعرف أن لكل شيءٍ ثمنًا، وأن هذا الثمن تحديدًا يستحق الدفع.
ما جعل المسار محتملًا لم يكن فقط إرادتها، بل البيئة التي احتضنتها. لم تكن بيئة عملٍ تقوم على الشللية أو المجاملة، بل كانت مؤسسةً ترى النتائج وتُقدّر الكفاءة. فريقٌ حاضنٌ جعل من المشروع أكثر من مجرد وظيفة من التاسعة حتى الخامسة، ليصبح هذا المشروع "هويتها الجديدة والأمل" كما تراه!
تقول عنه: "كانوا فعلًا بيئة حاضنة.. خلّوا من هذا المشروع مش مشروع أنا بشتغل فيه من 9-5 ولا دخل لي فيه بعد هيك.. الي صار إنه هاد المشروع صار هويتي… صار هو أنا.. نجاحه نجاحي.. فشله فشلي.. صار مربوط باسمي.. كنت أمثله في الأردن من أول البدايات، فكان الفرصة إني أثبت لحالي ولكل هدول الناس إني بقدر أوصل ورح أصير.."
ظلّت فترةً طويلة لا تُفصح عن مرضها. كانت ناجيةً، لكنها اختارت أن تُعرَف بما تُنجز لا بما اجتازت. وحين أخبرت مديرها يوست في مرحلةٍ لاحقة، كان ردَّه ما كانت تأمل أن تسمعه دائمًا: أنها لم تكن مُلزَمةً بالإفصاح أصلًا، وأن خصوصيتها حقٌّ مصون.
وقد وَجَّهت شكرها لمديرها أولًا ولكل فريق العمل الداعم الذين احتضنوها فعلًا، وتؤكد ذلك بكلماتٍ جاءت من القلب: "أنتم وفّرتم لي بيئة العمل اللائقة التي تتناسب مع ظروفي وتتناسب معي ومع ظروفي.. إنتو طلعتوا أفضل ما عندي"..
ترى لينا اليوم هذا المشروع مشروعًا ناجحًا، أحدث أثرًا وغيَّر واقع الكثيرين، وكذلك نجحت على الصعيد الشخصي ببناء اسمها وعلامتها الشخصية الجديدة، ليكون طريقها الجديد للحياة.
كيف استطعتِ أن تكوني قوية دون أن يعلم أحد؟
طرحت عليها سالي هذا السؤال نيابةً عن زميلتها ديما، ليكون ردها الأول: "الغريب إنه إنت ما بتكوني عارفة إنه إنت هالقد قوية.. الله بنزل الابتلاء، وبنزل الصبر معه.. إن مع العسر يُسرًا..".
لكنها أبت أن تأخذ الفضل لنفسها وحدها، ووقفت عند نقطةٍ يتجاوزها كثيرون حين يروون قصص نجاحهم: "الشخص الناجح لا يعكس نجاحه وحده، هو يعكس كل الذين دعموه."
كانت محاطةً بمنظومة دعمٍ كاملة؛ زوج كان سندًا ورجل موقف، وأطفال كانوا وقودًا بلا أن يدروا، وعائلة حملت معها ما ثقُل، وبيئة عملٍ آمنة أعادت إليها ثقتها بنفسها حين كادت تفقدها.
الحب يُبنى بالمواقف: دعم العائلة والسند
خلف كل قصة نجاحٍ إنساني، ثمة "جهاز دعم" كما أسمته، لا يُرى لكنه يحمل الكثير. كان زوجها شادي الركيزة الأولى؛ رجلٌ آمن بها حين خذلها جسدها، ووقف إلى جانبها حين أحسَّت بالسقوط المهني.
أكدت على سند زوجها لها، ودعم أطفالها وحبهم غير المشروط لها، وقد أحضرت معها رسالة كتبتها لها ابنتها الت again." وكتبت لها أيضًا في رسالةٍ أخرى في عيد الأم: "You helped us a lot and now it's time for me to help you."
هذه الجمل الصغيرة كانت تحمل من القوة ما يفوق كثيرًا من الخطب والكتب؛ كانت وقودًا يُشعل فيها إرادة البقاء.
أما زوجها شادي، الذي كان رجلًا صاحب موقف، فقد كتب لها رسالةً رائعة تحمل الكثير من المشاعر الصادقة، وقد قرأتها على مسامع المستمعين، وجاء في نصها:
أؤمن بك كما يؤمن القلب بنبضه، وكما تؤمن السماء بقدوم الفجر مهما طال ليلها. أراك جيشًا هادرًا من ضوءٍ ودهشة، تمضين بخطواتٍ واثقةٍ نحو الغد، لا تهزمك الرياح ولا تُخيفك الطرق الوعرة.
وأنا… لست سوى ذاك الرجل الذي يسير أمامك، يُمهّد لك الدرب، يرفع الحجارة، ويُزيح الأشواك، لأن في كل خطوةٍ لكِ معنى لحياتي، وفي كل انتصارٍ لكِ فخرٌ لروحي.
لكن صدّقي، لست أفعل هذا مجانًا، فأنتِ جيشي حين يخذلني العمر، وسندي حين تضعف السواعد، وأنتِ وحدك من سيبقى حين يرحل الجميع.
سأظل أعبّد لك الطريق، لا لأنك تحتاجيني، بل لأنك تستحقين أن تكون حياتك ممهّدة بالجمال، ولأنني حين أراك تتقدّمين، أشعر أنني أنا أيضًا أنجو.
أحبك… كما تُحب الأرض مطرها الأول، وأؤمن بك… كما يؤمن العاشق بمعجزته الوحيدة.
"كثر الدق يفكّ اللحام"… مَثَل الجَّدَّة
كانت جدّتها "رحمها الله" تردد دائمًا: "كثر الدق يفك اللحام." مثلٌ يحمل في طيّاته وعدًا بأن الإصرار يكسر كل صلب. وقد تمسّكت به لينا طوال عام البحث المضني عن عمل، تُردّده كلما أُوصد في وجهها بابٌ، وكلما جاء الرفض ليُخمد جذوة الأمل التي أشعلتها مقابلةٌ جديدة.
بعد مرور السنة وتراكم الرفض، وجدت نفسها تُناجي ذكرى جدّتها بابتسامةٍ فيها مرارة: "يا ستي، قلتِ لي كثر الدق يفك اللحام، لكن لم تعلّميني كيف أدقّ، ولا بأي أداة، ولا ما هي التقنية!"
وهنا كان الدرس الأعمق: الإصرار وحده لا يكفي. أحيانًا حين يُغلق الطريق، لا تكون المشكلة في قلّة الدق، بل في الحاجة إلى تغيير الطريق ذاته، أو تغيير شيءٍ في النهج. كل رفضٍ هو في حقيقته درسٌ يُضاف إلى الحقيبة، ومهارةٌ تُكتسب لم تكن موجودة من قبل. والحقيبة الممتلئة بتجارب الرفض والتعب هي بالضبط ما يجعل الإنسان جاهزًا حين تُفتح الأبواب أخيرًا.
تقول: " الصدمة تصنعك، الصدمة بتخليك أقوى، في أبواب تنفتح لك، ما كنت بتعرف انه رح تنفتح لك!"
التشريع والواقع: فجوةٌ لا تُسدّ بالنوايا
حين سألتها سالي عن أهم النقاط التي ستركُّز عليها لو دُعيت إلى لجنة تشريعات تخصّ مرضى السرطان، بادرت لينا بالإقرار بأنَّها ليست خبيرةً قانونية، وطلبت من المختصين العذر، ثم تحدثت بما هو أثمن من الخبرة القانونية: تحدثت بناءً على تجربتها وخبرتها الشخصية.
المطلب الأول والأساسي من وجهة نظرها، فهو إلغاء كل أشكال التمييز التي يواجهها الناجون من السرطان، ابتداءً من أولى لحظات الاحتكاك بسوق العمل: مقابلة التوظيف. تلك اللحظة التي يجد فيها الناجي نفسه أمام خيارٍ مؤلم بين الصدق الذي قد يُكلّفه الفرصة، والصمت الذي يُثقل كاهله. "لماذا يجب أن أخاف من الإفصاح؟ ما الجريمة التي ارتكبتها؟" تتساءل بمرارةٍ حقيقية، ثم تُجيب بهدوء: "أنا أستحق الفرصة."
أما الحكم المسبق على الأداء والكفاءة فهو الجرح الآخر. يستطيع مديرها يوست "كما أشارت" أن يشهد بنفسه: فهي نادرًا ما تطلب إجازاتٍ مرضية، وكثيرًا ما تتجاوز ساعات العمل الرسمية. التعافي من السرطان لا يعني عبئًا مزمنًا ولا أداءً منقوصًا، ولكن يعني فقط حاجةً إلى قدرٍ من الدعم والتفهّم، لا أكثر.
خلاصة ما تطالب به بسيطةٌ في صياغتها، عميقةٌ في دلالتها: ضعوا التمييز جانبًا، وأعطوا الناجي فرصته كاملة. عندها لن يحتاج إلى شيءٍ آخر.
القيمة الأكثر إيمانًا بها: الاحترام
حين طُلب منها أن تختار قيمةً واحدة من بين المسؤولية، والنزاهة، والعطاء، والالتزام، والاحترام؛ لتختار الاحترام.
الاحترام برأيها "الجذر" الذي تنبت منه سائر القيم، فالمسؤولية بلا احترامٍ جوفاء، والعطاء بلا احترامٍ منّة، والمصداقية بلا احترامٍ ورقة. تقول: "إذا لم أعرف كيف أحترم نفسي والشخص أمامي، فأنا لا أستحق أن أكون في هذا المنصب".
والاحترام الذي تعنيه لينا ليس الاحترام السهل بين المتشابهين؛ بل احترام الاختلاف تحديدًا. أن تحترم من لا يشاركك قناعاتك، ولا خلفيتك، ولا تجربتك. في بيئة العمل، هذا يعني أن ترى أمامك إنسانًا كاملًا قبل أن ترى سيرته الذاتية، أو تشخيصه الطبي، أو انتماءَه. الاختلاف ليس عائقًا يُدار، بل ثروةٌ تُستثمر، وهذا لا يتحقَّق إلَّا حين يكون "احترام الاختلاف جزء أساسي في بيئة العمل" على حد قولها.
بصمتها ورسالتها للعالم
حين سألتها سالي عن بصمتها التي تريد أن تتركها للجمهور، لم تختر لينا شعارًا من تأليفها، بل اختارت ثلاثة أسطر كتبتها لها صديقة على بطاقةٍ مرافقة لباقة ورد في المستشفى، في أحلك أيام رحلة العلاج. احتفظت بها منذ ذلك اليوم، وباتت جزءًا من دعائها اليومي، وهو:
"اللهم أعطني السكينة لأتقبَّل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها، والشجاعة لأُغيِّر الأشياء التي أستطيع تغييرها، والحكمة لأفرِّق بينهما."
ثلاث كلمات: السكينة، والشجاعة، والحكمة. ليست شعارًا للإلهام العابر، بل خريطة حياة اختبرتها لينا في أصعب محطاتها وأكثرها قسوة.
الخاتمة: مريض السرطان ليس رقمًا
تُذكِّرنا سالي في ختام حلقة لينا خواجا أنَّ مريض السرطان ليس مُجرَّد رقم في ملف، ولا خانة في استمارة توظيف، وأنَّ قصته لا تعني النهاية، وأنَّ الحُب يُبنى بالمواقف، والتحديات لا تكسر الإنسان؛ إنَّما تكشف له قدراته الخفية.
ولنا أن نتذكَّر أيضًا أنَّ الإلهام يولد من رحم الألم، والعطاء يُحوله إلى قوة تُغيّر العالم، وأن المرأة قادرة على الموازنة بين أمومتها ومسيرتها وإنسانيتها، لتصنع من أصعب الظروف أجمل الإنجازات!
أخيرًا… هذا المقال مُستوحى من حلقة بودكاست "على سيرة شغل مع سالي" للموسم الثاني، حيث رَوَت ضيفتنا لينا قصتها الإنسانية الاستثنائية. لمشاهدة الحلقة كاملة، اضغط على هذا الرابط (لينا خواجا: قياديَّة ناجِيَة تحمل رسالتها للعالم).
الشخص الناجح لا يعكس نجاحه وحده، هو يعكس نجاح كل من دعمه..
بدي أثبت للجميع، ولنفسي أولًا، ولكل من رفضني وقلل من قدراتي، أن المتعافي يستطيع بل ويستحق أكثر..
عن البودكاست
على سيرة شغل مع سالي
لقاءات لا نكتفي فيها بسؤال ضيوفنا عن ذروة نجاحهم، بل نغوص عميقًا في تفاصيل الرحلة بكلِّ ما تحمله من حكايات فاشلة سبقت التألُّق، ومخاوف تحولت وقودًا للطموح، ولحظات فاصلة رسمت مسار نجاحهم المهني.
نستمع في كل لقاءٍ لقصص نجاح حقيقية من خلف الكواليس، ونكتشف سويًا مسيرة إنسانية بكل عثراتها وانعطافاتها لِرُوَّاد أعمال مُلهمين ومُؤثرين، ونتعلَّم دروسًا مجانية قيِّمة من واقع تجربة عملية وحقيقية.
ستجد في هذه اللقاءات إلهامًا يُضيء دربك، وحافزًا لسعيك الذي لن يضيع، وتوجيهًا لمسارك الخاص وترك الأثر في عالمك المهني.
مقدم البودكاست
سالي أبو علي
رائدة أعمال أردنية ومستشارة متخصصة في الموارد البشرية، والمدير التنفيذي والمؤسسة لشركة "أمان هيومان كابيتال" للاستشارات، وهي مُدرِّبة مُعتمدة ومُيسرة لبرامج القيادة الأمريكية LMI. وتُصنَّف من أبرز صُنَّاع المحتوى العرب في مجال القيادة والتطوير المهني، وتُكرِّس جهودها لتمكين الشباب والمرأة في سوق العمل الأردني، وتُعد مرجعًا موثوقًا للعديد من المؤسسات الباحثة عن التميز في إدارة موظفيها وتنمية قدراتهم.